رغم الكراهية الشديدة التي أكنها لعصابة المحافظين الجدد الذين لاتزال بقاياهم موجودة على رأس الإدارة الأميركية، إلا أنه ليس بوسعي إلا الوقوف احتراما لفضيلة الشفافية التي تتمتع بها المؤسسات الأميركية والتي تتيح تصويب الأخطاء أولا بأول ولا تدع لأشخاص أو تيار أن يأخذ البلاد نحو المجهول كما هو الحال في كثير من بلداننا العربية.

شئنا أم أبينا، كرهنا أم أحببنا .. هناك تقاليد ترسخت على مدى عقود طويلة، هذه التقاليد ربما هي ما يحمي جذوة الحضارة الغربية من الأفول فالديمقراطية تتيح تجدد الدماء والأفكار ولا تجعل مفاصل الدولة تتيبس والشفافية تجعل المسؤول مفتوح العينين يخشى أي خطأ لأنه يعلم يقينا أن يوما سيأتي ليحاسب فيه على ما جنت يداه وربما كانت خشية الحساب الدنيوي لديهم أشد أثرا على أرض الواقع من خوفنا نحن من الحساب الأخروي الذي يهرب البعض منه بمنطق اسرق هذه المرة ثم تب . كما أن خضوع أي شخص مهما علا قدره للمحاسبة يمنع تألهه وتجبره وإحساسه بأنه يملك مفاتيح الأقدار.

ولأن الشفافية فضيلة، فقد أطاحت بكثير من رموز المحافظين الجدد بداية من ريتشارد بيرل (أمير الظلام) ومرورا بدونالد رامسفيلد وانتهاء ببول وولفويتز رئيس البنك الدولي، وكان لها الفضل في زعزعة الجماهيرية غير المسبوقة التي حظي بها الرئيس جورج دبليو بوش وحزبه في وقت من الأوقات، فخسر الجمهوريون الغالبية في الكونغرس وتنتظرهم خسارات أخرى غير مشكوك فيها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

ولأن الشفافية في عالمنا العربي غائبة فالوضع لا يسمح فقط بمسؤولين فاسدين وإنما بأناس لا يستحقون لفرط جهالتهم أن تسند مهام قيادة فريق من ثلاثة أفراد لكنس الشوارع ومع ذلك يتبوَؤون مراكز قيادية في هيئات حساسة أو يتقلدون مناصب وزارية. هذه النوعية قابلت واحدا منها في أوائل عام 2002 .. كان الرجل ذا منصب كبير في الجامعة العربية، وأخذ يحكي لي عن أفكاره البراقة التي لا تستفيد منها الجامعة في الترويج للقضايا العربية، وكيف أن عمرو موسى أمين عام الجامعة شخصية مغرورة لا ترى إلا نفسها.

بالطبع تشوقت لمعرفة أفكار ذلك الرجل الذي يعاني الاضطهاد ـ حسب وجهة نظره ـ فسألته عن أهم ما تقدم به، وبعد تقديم طويل أخذ الرجل يشرح كيف أن الأميركيين يقضون جزءا كبيرا من وقتهم في دورات المياه، ومن ثم فإن طباعة صورة القدس وتحتها عبارة تفيد بأنها عربية على ورق تواليت وترويجه في الولايات المتحدة قد يكون مفيدا للقضية الفلسطينية أكثر من مئات الاجتماعات مع المسؤولين الأميركيين وقرارات القمم العربية التي لاتجدي نفعا.

من يومها لم أعد أسأل نفسي لماذا نتأخر يوما بعد آخر، أو لماذا ينظر الينا الغرب أحيانا باعتبارنا قبائل ناجية من طوفان نوح ولم تزل على عهدها القديم. فأمة تضع خيرة أبنائها في السجون أو تقذف بهم خارج الوطن وتولي مقاليد سياستها أو اقتصادها لمثل العبقري صاحب اختراع ورق التواليت ليس غريبا ان تتفكك وتذبل أو حتى تمحى من الوجود.

الشفافية التي أطاحت بوولفويتز لأنه منح عشيقته وضعا استثنائيا لو كانت موجودة في العالم العربي لكنست عفنا كثيرا ليس على مستوى الفساد والنزاهة وحدهما ولكن أيضا على مستوى صلاحية شخص لتولي شأن عام من عدمه، ففي قضية من قضايا الفساد التي تورط فيها صاحب منصب وزاري بأحد البلاد العربية كان الثمن عزومات كباب أو طقم ملابس، وحين تفرست في أوراق القضية تمنيت لو أن ثمن هذا المسؤول الفاسد كان أكبر من ذلك.

عندنا القضايا والنكسات الكبيرة تظل ألغازا فلا أحد يعرف حتى الآن سر حريق القاهرة (بدايات عام 1952) كما أن الدول التي منيت بهزيمة 67 لم تراجع ذاتها ولم نعرف لماذا هزمنا حتى اليوم!، نفس الأمر بالنسبة للحرب العراقية ـ الإيرانية واحتلال الكويت ودوامة عنف التسعينات في الجزائر، فنحن نعتبر انكار الحقيقة بطولة، وهم، وياللمفارقة يعتبرون الاعتراف بالحق فضيلة. ربما يجد العربي نفسه يعود يوميا بلا ملل إلى حكاية الإمام محمد عبده القديمة حينما زار أوروبا وعاد منها ليقول: «وجدت هناك إسلاما بلا مسلمين، وأجد هنا مسلمين بلا إسلام».

magdishendi@hotmail.com