بالرغم من تواصل الإشارات والتحركات الإقليمية والدولية التي توحي بوجود رغبة أو أمل في تحريك وإعادة تنشيط المفاوضات وعملية السلام في الشرق الأوسط، إلا إن كل ما يجري لا يتجاوز حدود عمل العلاقات العامة، لكون ما يجري يصطدم بعدم أهلية إسرائيل في ظل حكومة أولمرت الفاشلة والضعيفة، الأمر الذي يؤكد الاستنتاج الذي يشير إلى انطلاق أفق الحل السياسي في المرحلة الراهنة.
غير أن انطلاق الأفق السياسي لا يعني في حقيقة الأمر، سوى أن إسرائيل بحكوماتها الضعيفة والقوية، تواصل بدون توقف العمل على الأرض، بما يؤدي إلى إغلاق الأفق لاحقاً أمام أي تسوية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، على الأراضي المحتلة منذ عام 1967. آخر ما سجلته أجندة السياسة الإسرائيلية في ذكرى مرور أربعين عاماً على حرب، الخامس من يونيو عام 1967، قرار الحكومة الذي أعلن عنه يوم الخميس التاسع من الشهر الجاري، والذي يقضي ببناء حيين يهوديين في القدس بواقع عشرين ألف وحدة سكنية.
البناء الجديد الذي أدانته السلطة الوطنية الفلسطينية واعتبرته مدمراً لجهود إطلاق عملية السلام، سيسمح عند إكماله بربط مجمع مستوطنات غوش عتصيون بمدينة القدس، وسلسلة المستوطنات التي تقع إلى شمالها، مما يعني عزلها بشكل كامل عن بقية مدن وقرى الضفة الغربية.
وفي خطوة أخرى لتعزيز سياسة تهويد القدس، اتخذت حكومة أولمرت يوم الثالث عشر من الجاري قرار آخر بتخصيص نحو مليار ونصف المليار دولار، لتطوير الأحياء اليهودية في المدينة تحسباً من زيادة عدد السكان العرب فيها، بما يهدد السيادة اليهودية عليها وفق مصادر رسمية إسرائيلية. فضلاً عن ذلك تتجه الحكومة الإسرائيلية نحو نقل المقرات الرئيسية لمعظم الوزارات إلى القدس وكل ذلك في إطار الاحتفالات الرسمية التي تقيمها إسرائيل بمناسبة ما تسميها الذكرى الأربعين وفق التقويم العبري لإعادة توحيد المدينة بعد احتلالها إثر حرب يونيو 1967.
وفيما كان الفلسطينيون يتحسبون لقرارات من المجلس الأمني المصغر في إسرائيل بشأن التهديدات التي لم تنقطع عن احتمال القيام بعدوان واسع على قطاع غزة لوقف ما تسميه الدوائر الإسرائيلية بالصواريخ الفلسطينية، والحد من تعاظم القوة العسكرية للفصائل الفلسطينية، فقد آثر المجلس الوزاري تأجيل اتخاذ قراره النهائي ارتباطاً بما يجري من اشتباك اندلع مؤخراً في قطاع غزة.
النصيحة بعدم اتخاذ قرار بشأن حجم العدوان وتوقيته جاءت من جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» حتى لا تؤدي عملية عسكرية إسرائيلية إلى وقف الصراع الدائر في قطاع غزة بين حركتي فتح وحماس، الأمر الذي أدى بالمجلس الأمني المصغر لتحديد مستوى عملياته في هذه الآونة بتكثيف عمليات الاغتيال، دون أن يغلق الباب أمام إمكانية توسيع هذه العمليات في ظروف أخرى. هذا التناقض الصارخ بين ما تقوم به إسرائيل من خطوات وخطط خطيرة جداً وتهدد المشروع الوطني الفلسطيني، وبين انشغال الحركتين الفلسطينيتين الكبيرتين حماس وفتح في صراعاتهما الداخلية حول السلطة، هذا التناقض يدخل في نفوس المواطنين الفلسطينيين المزيد من الإحباط، ويضاعف من معاناتهم.
المواطن الفلسطيني الذي أبدى قدرةً هائلة على الصمود والصبر في مواجهة الاحتلال بدأ يفقد ثقته بقياداته السياسية وبفصائله، وبسلاح المقاومة الذي دخل بقوة على خط الأزمة الداخلية والصراع على السلطة، فضلاً عن دوره في مفاقمة ظاهرة الفلتان الشامل وفوضى السلاح، التي باتت تهدد لحمة المجتمع الفلسطيني وليس فقط نظامه السياسي.
وفي الواقع فإن اتفاق مكة الذي جرى توقيعه بين حركتي فتح وحماس في الثامن من فبراير الماضي وتم بموجبه تشكيل حكومة وحدة وطنية حصلت على ثقة المجلس التشريعي وأدت اليمين الدستورية يوم السابع عشر من مارس، ذلك الاتفاق وما نجم عنه، بات مهدداً على خلفية الصراع الذي لم يتوقف على السلطات والوظائف والصلاحيات والمواقع بين الحركتين الكبيرتين، فمنذ تشكيلها لم تقدم حكومة الوحدة الوطنية أي إنجاز بالنسبة للأجندة الطويلة من الضحايا التي تضمنها برنامجها الذي حظي بمصادقة المجلس التشريعي، بما في ذلك الهدفان الرئيسان اللذان جرى التأكيد عليهما منذ البداية وكل الوقت، وهما رفع الحصار والتصدي لظاهرة الفلتان الداخلي وغياب القانون.
وإذا كان الفلسطينيون يتلمسون العذر لحكومتهم ومسؤوليتهم بصدد عدم إنجاز مهمة رفع الحصار، باعتبار أن ذلك يتصل بقوى وعوامل خارجية، فإنهم يصابون بالكثير من الذهول جراء استمرار ظاهرة الفلتان التي تحصد يومياً المزيد من الأرواح، حيث بلغ عدد القتلى منذ تشكيل الحكومة الجديدة حتى منتصف هذا الشهر، أكثر من خمسة وتسعين مواطناً.
ما يضاعف الشعور بالقلق، هو ازدياد عدد الجماعات المسلحة التي أخذت تتكاثر في الساحة الفلسطينية بما في ذلك تنظيم القاعدة، وما يجري من استهداف مباشر لمقاهي الإنترنت، وبعض الجمعيات الثقافية وبعض المؤسسات التعليمية ذات المستوى التعليمي والحضاري المتميز، وبعض محلات الكوافير النسائية، وما إلى ذلك، والذي ينظر إليه الكثيرون على أنه محاولة لأسلمة المجتمع الفلسطيني بالقوة ومن خارج إطار البرنامج الرسمي.
في مواجهة هذه الأوضاع كان وزير الداخلية المستقيل هاني القواسمي قد قدم خطة أمنية وافقت عليها الحكومة في السادس عشر من الشهر الماضي، لكنه ما لبث أن قدم استقالة مسببة، يطلب كشرط للعدول عنها منحه صلاحيات مطلقة لم تنجح لقاءاته مع الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة إسماعيل هنية في الحصول عليها، الأمر الذي أدى إلى تقديم استقالته بشكل نهائي وقبولها من هنية إثر اندلاع الاشتباكات الأخيرة بين فتح وحماس، في الرابع والعشرين من الشهر الجاري.
الاشتباكات التي وقعت على خلفية رفض حركة حماس وتصدي ذراعها العسكري لانتشار قوات الأمن على المفترقات بعد ما قيل عن اتفاق على ذلك بين الرئيس عباس ورئيس الحكومة، تلك الاشتباكات المسلحة أعادت إلى الأذهان صورة الأوضاع ما قبل اتفاق مكة وطرحت من جديد مدى قدرة الاتفاق على الصمود، وفي ضوء عودة الاشتباكات واستخدام العنف في الصراع على السلطة، يتضح مدى حاجة الفصائل الفلسطينية لإعادة فتح اتفاق مكة أمام حوار جماعي لا يقتصر على حركتي فتح وحماس،
ويؤدي إلى تفعيل كامل عناصر الاتفاق بما في ذلك تفعيل وتطوير منظمة التحرير، وبناء الشراكة السياسية، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتعزيز التجربة الديمقراطية، وكلها قضايا لا تزال معلقة ولم تحظ بالاهتمام الكافي والمطلوب. ويبدو أن على القيادات الفلسطينية أن تظهر إخلاصاً أكبر لحماية اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية كخيار أساسي لا بديل عنه سوى الاندفاع نحو دوامة الاقتتال المميت.
كاتب فلسطيني