تتحرك قضية الطاقة النووية على أجندة أعمال العديد من دول الشرق الأوسط، بدءا من مصر ومرورا بالأردن وانتهاء بدول مجلس التعاون الخليجي، ومازال الباب مفتوحا لانضمام آخرين راغبين ومستعدين، وهو الأمر الذي خلف انطباعا بأنه لم يعد من المحرمات الدولية تجاوز ما درج كتاب الاستراتيجية العسكرية على تسميته بـ «العتبة النووية»، ورغم حالة الضبابية التي تخيم على الأجواء بشأن إمكانية الدول العربية على دخول نادي الدول المالكة للتكنولوجيا النووية،

إلا أن توارد الحديث من أكثر من دولة عن اهتمامها بالدخول في هذا المجال، أعطى مؤشرا إلى أنه ما كان محرما في الماضي القريب، صار الآن مسموحا ومجازا، وهو الأمر الذي يثير الكثير من الشكوك بشأن ما إذا كنا بصدد الانزلاق في هذا المجال لاستهلاك الفوائض المالية في الحصول على التكنولوجيا النووية، وبالتالي، تذهب هذه الأموال إلى جيوب الدول الغربية، وتحدث عملية تدوير ثروة العوائد النفطية إلى العالم الغربي مرة أخرى، خصوصا وأن الدول الخليجية أظهرت حتى الآن درجة عالية من الحصافة والحكمة في التعامل مع طفرتها النفطية بالمقارنة مع الطفرة النفطية الأولى في السبعينات.

وما قد يحفز الدول العربية على طرق هذا المجال، هو وجود إدراك في مخيلة المواطن البسيط، بأن الطريق النووي هو المسار الأمثل لامتلاك القوة والنفوذ، وبالتالي تحقيق الأمن المطلق، ومن ثم، تعتبر القضية النووية مسألة تهم الرأي العام بمختلف مشاربه ومستوياته، وخصوصا وأن الذاكرة العربية حافلة بالأحداث المريرة عن التفوق النووي الإسرائيلي، وما تركه هذا التفوق من ظلال قاتمة على الخلل في الميزان العسكري الإسرائيلي العربي على مدى العقود الطويلة، وقد حاولت بعض الدول العربية معالجة هذا الخلل عن طريق امتلاك السلاح الكيماوي لتعزيز القدرات العربية في ردع النوايا والسياسات العدائية الإسرائيلية.

وبالتالي، التصق موضوع الطاقة النووية في ذهن المواطن العادي بالسلاح النووي ، بل والأكثر من ذلك، صار هذا الموضوع معبأ بالمشاعر وذكريات التاريخ والتي قد تجعله محاصرا بالغيوم المتراكمة بشكل يحجب رؤية المسار الصحيح الذي يجب انتهاجه. ومن المعروف عن الدول الخليجية أنها دول غنية بموارد النفط والغاز، ومن المعروف كذلك أن الطاقة النووية تعتبر أحد أشكال مصادر الطاقة المتواجدة في عالمنا لتوليد الكهرباء وغير ذلك من الاستخدامات، وبالتالي، لا تعتبر الخيار الوحيد المتاح أمام هذه الدول، إذا ما أرادت تنويع مصادر الطاقة لديها بعيدا عن النفط والغاز، حيث تتوافر لديها خيارات تتعلق بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغير ذلك من مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة.

وبفضل امتلاك الدول الخليجية كميات ضخمة من مصادر الطاقة التقليدية، وهي النفط والغاز، صارت الاقتصادات الصناعية معتمدة على هذه المنطقة، وهنا، يكمن خطر السعي لامتلاك الطاقة النووية، إذ إن هذا المسعى يهز الاستقلالية التي تتمتع بها دول الخليج في مجال إمدادات الطاقة، ويقلب هذه المعادلة إلى الوجهة المعاكسة وهي التبعية إلى الغرب في مجال الطاقة، بحكم وجود التكنولوجيا النووية لدى الدول الغربية، بل إن مادة اليورانيوم المستخدمة في المحطات النووية تتواجد أصلا لدى العديد من الدول الأفريقية، وهو الأمر الذي يجعل البلدان الخليجية تفقد استقلاليتها في مجال الطاقة نتيجة لتوافر مصادر هذا النوع من أنواع الطاقة خارج محيطها الجغرافي.

وتمتد مخاطر هذا المسعى إلى جوانب أخرى تتعلق بالتكاليف العالية للحصول على التكنولوجيا النووية، وهو ما قد يثير الشكوك بأن إزالة التحريم عن الطاقة النووية من شأنه ينصب شركا للدول الخليجية بأن توجه مواردها المالية للحصول على هذه ا التكنولوجيا، وبالتالي، تخسر هذه الدول قدرا من ثرواتها وسط تهليل وتصفيق المواطن العادي.