منذ توليها منصب وزير الخارجية الأميركية ترددت كوندوليزا رايس على موسكو عدة مرات ربما تزيد على ست أو سبع، وفي كل مرة كانت تسبق وصولها لموسكو وهي في الطريق بتصريحات حادة ضد سياسات الكريملين الداخلية وتوجهات السياسة الروسية في المحيط السوفييتي السابق ثم تصل للكريملين فترسم على وجهها ابتسامة عريضة وتخرج لتصرح للصحافيين بأن موسكو وواشنطن متفاهمتان في معظم القضايا ولا توجد خلافات بينهما،

ولكن في زيارتها الأخيرة منذ أيام شذت رايس عن القاعدة فبدأت رحلتها صوب روسيا بتصريح رددته كل وسائل الإعلام العالمية تقول فيه إنه لا وجود لحرب باردة بين واشنطن وموسكو ومع هذا التصريح ثارت المخاوف داخل روسيا من هذه الزيارة بالتحديد، والكل تساءل : ماذا تريد واشنطن من موسكو؟

التحركات الأميركية في المنطقة تبعث على القلق، وليس من المعتاد أن يذهب نائب الرئيس الأميركي في اتجاه ووزيرة الخارجية في اتجاه آخر في منطقة واحدة إلا إذا كانت واشنطن تخطط لشيء ما في المنطقة. ومن البديهي والمفهوم أن نائب الرئيس ديك تشيني لا يستطيع زيارة موسكو،

وذلك لأن موسكو نفسها لن تقبل استقباله وهذا ما أعلنته في العام الماضي بعد تصريحاته البذيئة ضد روسيا أثناء زيارته إلى دول البلطيق والذي اتهم فيها روسيا اتهامات بالغة، ووصفها بالعدو لأميركا، وعلى أثرها أعلنت موسكو ضمنيا أن تشيني شخص غير مرغوب فيه في روسيا.

ولكن تشيني يتجول في المنطقة الساخنة ورايس تتوجه لروسيا، وكأن شيئا ما يجب أن يحدث قريباً، ويجب أن تحصل واشنطن من موسكو على ضوء أخضر لهذا الشيء، وعلى ما يبدو فإن إدارة الرئيس بوش قد عبأت نفسها وأعدت عدتها للضربة الأخيرة التي تتوق لها قبل أن تترك البيت الأبيض،

والمقصود هنا بالطبع إيران، وهو ما تشير إليه التحليلات وتقارير المراقبين حول تحركات الإدارة الأميركية في المنطقة والتي قابلها تحركات مشابهة وسريعة من الرئيس الإيراني أحمد نجاد، فهل هذا يعني أن الضربة الأميركية لإيران قادمة؟

الجميع كانوا يتوقعون الضربة في أبريل الماضي ولم تكن هذه تخمينات، فقد أثبتت تقارير استخباراتية أن الولايات المتحدة حددت بالفعل هذا اليوم موعدا لبدء عملية حربية ضد إيران، بل وأطلق على العملية مصطلح «العض».

ولا بد من القول بالمناسبة إن المجموعة الحربية الضرورية لشن العملية مازالت موجودة في الخليج العربي حيث ترابط مجموعتان ضاربتان تتكونان من حاملتي الطائرات دوايت إيزنهاور وجون ستينيز و4 غواصات ذرية و20 طرادا. وهناك أكثر من 400 طائرة محمولة وعلى الأرض بما فيها «ستلث» الشهيرة التي يتعين عليها القيام بعمل كبير.

وتم تثبيت أهداف محددة. وهي مجمع تخصيب اليورانيوم في نتانز ومركز البحوث النووية في أصفهان ومصنع تحضير الماء الثقيل في أراك ومحطة بوشهر الكهرذرية والقواعد الجوية والبحرية الإيرانية ومنشآت الدفاع الجوي ومراكز القيادة. و كان ضمن تخطيط البنتاجون القيام بمناورة تشويش.

فقد أبحرت من سان دييغو متجهة إلى الخليج العربي حاملة الطائرات نيميتس التي من المفروض أن تستلم الخفارة من دوايت إيزنهاور في مايو الجاري. وسينتظر الجميع وفقا لمنطق الحرب الخاطفة المخطط لها وصول حاملة الطائرات الثالثة إلى شواطئ إيران مما سيضمن عامل المباغتة الضروري.

ولكن الحرب رغم كافة المؤشرات الظاهرية التي اكتشفت بصورة أساسية بجهود الخبراء العسكريين الروس وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية لم تبدأ في 6 أبريل. ذلك أن الإدارة الأميركية واجهت ضغوطا شديدة داخل الولايات المتحدة وخاصة من الديمقراطيين في الكونجرس الذين رفضوا اعتماد المزيد من ميزانية الحرب في العراق

كما إن واشنطن ترددت كثيرا إزاء مواقف موسكو في الأيام الماضية والتصريحات الحادة التي أطلقها الرئيس الروسي بوتين وتحذيراته من استخدام القوة المفرطة وجر المنطقة لويلات لا تحمد عقباها، الأمر الذي جعل الإدارة الأميركية تعيد بعض حساباتها قبل التفكير في توجيه ضرباتها،

خاصة أنها لا تستطيع تقدير وحساب مدى ردود فعل روسيا ودول أخرى على هذه الضربة، كما إنها لا تعرف بالضبط ردود فعل إيران نفسها على الضربة، وإن كان البعض يعتقد أن إدارة بوش الراحلة قريبا من البيت الأبيض لا يهمها ردود الأفعال بقدر ما يهمها إطلاق ضربتها التي ستدر عليها أرباحا كبيرة داخل الولايات المتحدة،

حيث ستجبر الكونجرس على فتح الخزينة للرئيس بلا قيود أو شروط تحت بند حالة الحرب التي يصبح القرار فيها للرئيس وحده، وهذه ربما آخر مهام بوش الابن في رئاسته للولايات المتحدة، و بهذا يكون حقق أكبر كم من الأرباح لمؤسسات التصنيع العسكري الحربي الأميركي والذي ربما يعادل أضعاف ما حققته هذه المؤسسات طيلة سنوات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي.

ويبقى السؤال ـ هل ستبدأ هذه الحرب على العموم وإذا بدأت فمتى؟

ليس من المستبعد أن تقدم الولايات المتحدة من جانب واحد بعد تشديد العقوبات على إيران على الإقدام على أعمال استفزازية لطهران، وربما تقدم على قصف محدود لبعض مواقعها، وعندئذ ستكون الإجراءات الجوابية من جانب طهران كبيرة الاحتمال

مما سيشكل دافعا قاطعا لشن الولايات المتحدة العملية العسكرية الكبيرة. والغريب أن إيران نفسها لا تترك للولايات المتحدة إي فرص لتجنب الحرب. وإن المسألة ليست فقط في برنامجها النووي وطموحاتها النووية بشكل عام. بل تكمن القضية أيضا في السياسة التي تمارسها طهران في المنطقة.

وهذا يتمثل بالمرتبة الأولى في تأجيج معاداة اليهود من خلال تصريحات الرئيس الإيراني حول ضرورة مسح إسرائيل كدولة وتصريحات طهران المستمرة بعدم التوقف عن تطوير برنامجها النووي وامتلاكها تقنيات التخصيب العالية وغير ذلك من التصريحات الاستفزازية التي تدعم إلى حد كبير موقف الإدارة الأميركية ،

وربما تطمح إيران لتحقيق نصر سياسي كبير بتحديها للولايات المتحدة وإسرائيل الأمر الذي ربما يخدم طموحاتها الإقليمية وفي العالم الإسلامي، هذا في حالة ما إذا رحلت إدارة بوش عن البيت الأبيض دون توجيه ضربة لإيران الأمر الذي سوف تعتبره طهران انتصارا كبيرا لها ولكن ماذا لو حصلت الضربة؟

يقول الجنرال يوري سولوفيوف قائد القوات الخاصة الروسية إن منظومة الدفاع الجوي الإيرانية قادرة على مقاومة الغارة الجوية المحتملة من جانب الولايات المتحدة.وأن لدى إيران منظومة قوية بما فيه الكفاية للدفاع الجوي تتزود ضمنا بالأنظمة الصاروخية الروسية المضادة للطائرات التي تتيح مقاومة كل أنواع الطائرات الموجودة في حوزة الولايات المتحدة.

وفضلا عن ذلك تملك إيران أنظمة فرنسية بالإضافة إلى الأسلحة الأجنبية الأخرى.من البديهي أن إيران لن توجه ضربات بالطبع إلى الولايات المتحدة لأنه لا توجد لديها مثل هذه الإمكانيات، كما إنها، لن تقدم على ضرب إسرائيل لأن هذا سوف يفتح عليها أبواب الجحيم ، لكن المتوقع أن تضرب إيران المصالح الأميركية في المنطقة.

والمعلومات الاستخباراتية المتوفرة تؤكد هذا الرأي، ولكن ما مدى الضربات التي تنوي واشنطن توجيهها لإيران، و ما مدى تداعيات هذه الضربات على المنطقة هذا هو الأمر المجهول. والمجهول لأكثر هو موقف موسكو من كل هذا وهو ربما ما جاءت رايس لموسكو لتعرفه وما دفعها لاستباق رحلتها لموسكو بتصريحات مجاملة ومهذبة على غير عادتها.. فهل يستجيب الكريملين لما تريده واشنطن؟

لا يعتقد أحد أن الرئيس بوتين الذي أثبت بطولات كثيرة في وجه الغطرسة الأميركية ممكن أن يختم فترة رئاسته بهذا التنازل السافر ، ولمن؟ لإدارة فشلت في كل شيء حتى في كسب رضاء شعبها عنها، وسترحل واسمها في أسوأ صفحات التاريخ لما فعلته في العراق وأفغانستان وأكاذيبها التي تتوالى ولم تتوقف حتى الآن، ليست روسيا التي تهادن تجار الحروب وتتفق معهم على حساب مصالح ومصائر الشعوب الأخرى.

كاتب ومحلل سياسي روسي