تحظى جولة مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية، مثل ديك تشيني، عادة باهتمام خاص ليس فقط من قبل الحكومات المعنية بهذه الجولة، بل تحظى كذلك باهتمام الدول العظمى واهتمام مراكز الدراسات والأبحاث في العالم. فجولة نائب الرئيس الأميركي الأخيرة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون غير استجابة لأزمة أو أزمات كبيرة تحتاج إلى من يتمتع بثقله السياسي لمعالجتها.

كانت بغداد المحطة الأولى في هذه الجولة تبعتها عواصم الدول الأربع الأكثر قرباً إلى الولايات المتحدة والأكثر أهمية في التأثير على مسارات الأحداث في المنطقة: الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

للولايات المتحدة مصالح حيوية عديدة في منطقة الشرق الأوسط، منها ما هو آني ومنها ما هو بعيد المدى، تقوم برعايتها على مستويين، الأول عسكري: من خلال إدامة وجود قواتها البرية في قواعد عسكرية عديدة منتشرة هنا وهناك، وإدامة وحدات أساطيلها البحرية في مياه الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي.

والثاني سياسي: من خلال الدور الذي يلعبه سفراؤها في دول هذه المنطقة، والدور الذي يقوم به مبعوثون يمتلكون سلطات أوسع يوفدون إلى المنطقة بين الحين والآخر. إلا أن جولة تشيني تتعلق بقضايا ذات أبعاد استراتيجية قد تؤثر على مستقبل المنطقة وبالتالي على مستقبل المصالح الأميركية فيها.

ويبدو لمن يتابع الأحداث عن كثب بأن هذه الجولة جاءت لتحقيق ما عجزت الوزيرة رايس عن تحقيقه في زياراتها المكوكية للمنطقة.قضيتان كبيرتان تؤرقان إدارة الرئيس بوش في الوقت الحاضر، وتهددان المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، على الأمدين القريب والبعيد:

1ـ فشل السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة، فالمشروع الأميركي في العراق لم يفشل فقط في تحقيق التوقعات التي رافقت البدء بتنفيذه فحسب، وإنما فشل في إقناع أقرب حلفاء الولايات المتحدة بواقعيته.

2ـ فشل جميع الجهود التي بذلت لإرغام إيران على الاستجابة للمناشدات والضغوطات الدولية لوقف برنامجها النووي المثير للجدل، وهو ما يقلق الولايات المتحدة، وربما دولاً أخرى، أشد القلق، فصعود إيران كقوة نووية في منطقة الشرق الأوسط سيغير من معادلات التوازن فيها.

والحقيقة أن لكل من هاتين القضيتين خصوصيته ووعورته، فغني عن البيان أن الوضع المتدهور في العراق يقلق جميع دول المنطقة أشد القلق، وقد خلق هذا الوضع توجساً وتشككاً لدى هذه الدول حول الأهداف الحقيقية للسياسة الأميركية في المنطقة،

كما أن التهديدات الأميركية والإسرائيلية لإيران هي الأخرى موضع قلق أكبر، فالاحتمال بترجمتها إلى عمليات عسكرية يزداد مع الأيام بعد الفشل في لعبة لي الذراع مع إيران وفي ضوء التوقعات بعدم جدوى العقوبات حتى في حالة رفع درجتها في منع إيران من المضي قدماً في برنامجها النووي.

التوقيت الزمني لجولة تشيني له أهميته، فعلى مستوى الداخل الأميركي، تزامنت هذه الجولة مع: ازدياد ملحوظ في غضب الرأي العام الأميركي على سياسات البيت الأبيض، وصول شعبية الرئيس إلى أدنى المستويات كما تشير استطلاعات الرأي العام،

تزايد حدة الخلافات بين إدارة بوش والكونغرس حول ميزانية تمويل حرب العراق وحول فترة بقاء القوات الأميركية في العراق، والذي تصاعد إلى المستوى الذي استخدم فيه الرئيس بوش حق النقض لإبطال القانون الذي أصدره الكونغرس في واحد من المواقف التي يحرص عادة أي رئيس أميركي على أن لا يصل إليها.

أما على المستوى الدولي فقد تزامنت الجولة مع فوز نيكولاس ساركوزي بانتخابات الرئاسة الفرنسية وهو أقرب إلى واشنطن من سلفه شيراك صاحب أعلى صوت أوروبي معارض للسياسة الأميركية في العراق، ومع أن ذلك كسب للإدارة الأميركية في تحسين شكل المعادلة السياسية على المستوى الدولي لصالحها،

إلا أن هذا الكسب لا يوازي الخسارة التي ستلحق بها في يونيو القادم عندما يتنحى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، أبرز حلفاء بوش، عن منصبه لصالح غوردن براون الأكثر ميلاً للنأي ببريطانيا عن السياسة الأميركية في العراق.

أما على المستوى الإقليمي فقد تزامنت هذه الجولة مع انتهاء أعمال المؤتمر الدولي حول العراق الذي عقد في شرم الشيخ.وإضافة إلى ذلك ليس من المستبعد، وهذا محض توقع، أن يكون لهذه الجولة علاقة بجاهزية الاستعدادات التعبوية الأميركية والإسرائيلية لعمليات عسكرية محتملة ضد إيران.

يبدو أن الإدارة الأميركية أكثر رغبة من أي وقت مضى في حسم هاتين القضيتين، فهي في سباق مع الزمن للحصول على بعض النجاحات في معالجتهما، وقد وضعت سقفاً زمنياً لتسجيل بعض النجاحات لا يتجاوز شهر سبتمبر القادم، وهو موعد تقويم خطة فرض القانون في العراق.

فهل تستطيع جولة تشيني الأخيرة تحويل الفشل الذي تجرعته إدارة الرئيس بوش حتى الآن إلى نجاح ؟ وما هو الثمن الذي ينبغي دفعه لذلك؟على مستوى الوضع في العراق، تعرضت المؤسسات القائمة في العراق، على مستويات متعددة، إلى ضغوطات كبيرة للاستجابة للإرادة الأميركية،

فقد اقترنت زيارة تشيني بإقدام مجلس النواب العراقي على إلغاء إجازته الصيفية والتفرغ لمناقشة قوانين معلقة ذات علاقة مباشرة بإنجاح العملية السياسية، منها إلغاء قانون اجتثاث البعث واستبداله بقانون آخر يتيح فضاء أكثر ملاءمة للمصالحة الوطنية،

والنظر في التعديلات المقترحة للدستور، والتصديق على قانون النفط والغاز وغير ذلك. كما اقترنت هذه الجولة بالضغط على قوى سياسية تمثل شرائح مهمة من المجتمع العراقي، على وشك الانسحاب من الحكومة ومن مجلس النواب، بعدم الإقدام على ذلك.

وتعتبر الإدارة الأميركية توجهات حكومة المالكي للعودة إلى الفضاء العربي، وتَوَصل بعض القوى السياسية المهمة في الساحة السياسية في العراق إلى القناعة بضرورة تبني استراتيجيات سياسية جديدة تبرز طابعها الوطني العراقي مؤشرات إيجابية تسهم في تسهيل التوصل إلى حلول مرضية للقضية العراقية.

أما على مستوى العلاقة مع إيران فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد وافقت على الدخول في حوار مع إيران، على مستوى السفراء، حول الوضع في العراق، إلا أن التهديدات بين الطرفين في تصاعد مستمر، ولعل أخطرها ما ورد على لسان تشيني في جولته الأخيرة،

فقد صرح بأن الولايات المتحدة سوف تُبقي الممرات المائية في الخليج العربي مفتوحة ولن تسمح لأحد بتعطيل الملاحة فيه. وتكمن في هذا التصريح معان خطيرة عديدة:

1ـ تطمين الدول النفطية الخليجية بأن صادراتها لن تتأثر في حالة إقدام الولايات المتحدة على عمليات عسكرية ضد إيران.

2ـ تطمين الدول الأوروبية ودول الشرق الأقصى، خاصة اليابان، والتي تعتمد على نفط الخليج بالدرجة الرئيسية كمصدر للطاقة بعدم وجود مبرر للتخوف من نقص إمدادات النفط.

3ـ تنبيه إيران بأن العمليات العسكرية، في حالة الإقدام عليها، لن تقتصر على المواقع النووية الإيرانية في أصفهان وناتنز وبوشهر أو غيرها من المواقع التي رصدتها الولايات المتحدة بدقة، وإنما ستطال بالدرجة الأولى القدرات العسكرية الإيرانية التي قد تلحق الضرر بالمصالح الأميركية في المنطقة وبالصناعة النفطية الخليجية إنتاجاً وتصديراً.

وهذه الرسالة في الحقيقة قريبة الشبه بالرسالة التي أبلغها جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق لنظيره العراقي طارق عزيز في لقائهما في جنيف الذي سبق عاصفة الصحراء حيث قال له: «سنعيد بلدكم إلى القرون الوسطى».

لقد حصلت إدارة بوش على الغطاء القانوني شكلياً من الكونغرس للتدخل العسكري في العراق عام 2003 استناداً إلى قانون أصدره الكونغرس عام 1998 في عهد الرئيس كلينتون «قانون تحرير العراق»، إلا أن من المستحيل في ظل الأوضاع القائمة ومعادلة القوى في الأوساط الأميركية أن تحصل هذه الإدارة على تخويل بتوسيع الاشتباك للقوات الأميركية في المنطقة لتشمل عمليات عسكرية في إيران،

إلا أن من المهم أن نذكر بأن للرئيس الأميركي سلطات واسعة تبطل قرارات الكونغرس، ولكن هذه السلطات لا تتيح له شن حرب ضد دولة أخرى وإنما القيام بعمليات محدودة تدخل تحت باب درء أخطار متوقعة أو تدمير بؤر إرهابية أو القضاء على برامج أسلحة تدمير شامل. فلم يكن الرئيس كلينتون، ابان رئاسته، بحاجة إلى موافقة الكونغرس لإصدار أوامره بقصف معسكرات القاعدة في أفغانستان أو قصف مصنع الأدوية في السودان أو قصف مواقع أخرى.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae