هذا المثل الشعبي ينطبق إلى حد كبير على الإدارة الأميركية الحالية التي أصبح رحيلها في العام المقبل من البيت الأبيض شبه مؤكد، هذه الإدارة التي ارتبط اسمها بالأكاذيب والفضائح من يوم وصولها للبيت الأبيض أو بالتحديد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحتى الآن، أكاذيب اعترف بها أفراد هذه الإدارة الواحد تلو الآخر.
والتي ربما تفوق في ضخامتها والتداعيات التي ترتبت عليها ما هو أكثر بكثير من فضائح ووتر جيت التي أطاحت بالرئيس نيكسون في السبعينات وإيران جيت التي فضحت إدارة الرئيس ريجان في الثمانينات، ومونيكا جيت التي شوهت سمعة الرئيس كلينتون في التسعينات.
ورغم توالي الأكاذيب والفضائح فإن إدارة بوش مستمرة في سياساتها وبلا تراجع أو تردد، بل ربما لديها النية على ما هو أكبر وأكثر خطورة من كل ما سبق، ربما تكون في جعبة المحافظين في البيت الأبيض قنبلة موقوتة سيفجرونها قريبا قبل خروجهم من البيت الأبيض، والتحركات الأخيرة لصقور هذه الإدارة في الشرق الأوسط توحي بذلك، والكل يتوقع أن تكون إيران هي الهدف.
البعض يتساءل: كيف لهذه الإدارة بعد فشلها المزري في العراق وفي أفغانستان، وبعد كشف كل أكاذيبها التي بنت عليها تحركاتها منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وحتى الآن، كيف لها أن تجرؤ على الخوض في مغامرة مجنونة مع إيران ؟، هذه المغامرة التي يتخوف الجميع في كل أنحاء العالم من تداعياتها على الساحتين الإقليمية والدولية.
والتي يتوقع البعض لها أن تكون نقطة اندلاع حرب عالمية ثالثة بجميع المقاييس، كما يتوقع البعض أن يكون لها أسوأ الآثار والتداعيات على الاقتصاد العالمي والبيئة وعلى العلاقات بين الشرق والغرب، وهل يغيب عن وعي الإدارة الأميركية كل هذه الأمور، وماذا ستجني من وراء هذه الكارثة ؟.
للإجابة عن هذه الأسئلة يجب تصحيح بعض المفاهيم الشائعة والمغلوطة حول هذه الإدارة الأميركية ونشاطها وخططها والمهام والأهداف التي جاءت من أجلها وكُلفت بها منذ وصولها للبيت الأبيض، حيث من الشائع الآن في كل أنحاء العالم القول ان الولايات المتحدة هُزمت في العراق وأفغانستان، وهذا أمر صحيح وواقعي وملموس إلى حد كبير، ولكن السؤال هو: إلى أي مدى تمثل إدارة الرئيس بوش وبالتحديد صقورها أصحاب القرار فيها مصالح وأهداف وسياسات دولة الولايات المتحدة الأميركية ؟.
واقع الأمر أن كل ما حدث وما يحدث في العراق وأفغانستان حتى الآن يخدم إلى حد كبير أهداف وخطط إدارة الرئيس بوش ومصالح الجهات التي تمثلها هذه الإدارة من أباطرة النفط والسلاح في الولايات المتحدة وبريطانيا أيضا، وهذا يبرر ويوضح أسباب التزام حكومة توني بلير في لندن بنفس نهج رفيقتها عبر الأطلسي في البيت الأبيض، فالمصالح في الجهتين واحدة منذ سنوات طويلة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
حيث اجتمعت عائلات شركات النفط والسلاح من البلدين على أهداف ومصالح واحدة تتجاوز إلى حد كبير مصالح الدولتين بريطانيا والولايات المتحدة، هذه العائلات معروفة في البلدين ومعروفة للعالم أجمع، وهي صاحبة المصالح الكبرى في إشعال الأزمات والحروب التي تعد السوق الرئيسية للترويج لسلعها ولدر الأرباح الخيالية لها.
وهذه الإدارات الحاكمة تمثل في الأساس مصالح هذه الجهات، ولو كانت إدارة بوش تمثل مصالح الدولة الأميركية لسعت منذ البداية لتثبيت الأمن والاستقرار في العراق وتحقيق الديمقراطية التي تتحدث عنها كثيرا ولم يرها أحد، وهي قادرة على تحقيق ذلك وبسهولة وبتكلفة أقل بكثير جدا من تكلفة الحرب التي أشعلتها ولا تريد إطفاءها.
ولكن تحقيق الأمن والاستقرار والديمقراطية في العراق كان يعني بالضرورة خروج القوات الأجنبية منه، الأمر الذي يعني بالتبعية توقف الإمداد المالي من الميزانية الأميركية، والحديث هنا عن مئات المليارات من الدولارات الموجهة للحرب، الأمر الذي تهون من أجله أرواح الملايين ومصائر الشعوب والدول والأمن والسلام العالمي، وتهون من أجله أيضاً سمعة الولايات المتحدة نفسها.
لقد حققت الإدارة الأميركية كل أهدافها وأهداف الجهات التي تمثلها، ولا تهمها كل الفضائح التي لصقت بسمعتها، فهي راحلة آجلا أو عاجلا، وبما أنها راحلة فلتكثر من فضائحها ولتضرب ضربتها الكبرى بتوسيع نطاق الحرب حتى تشل يد الكونغرس عن التحكم في الميزانية وفق الدستور الأميركي الذي يمنح الرئيس الحق الكامل عند اندلاع القتال في تقرير ميزانية الحرب دون اعتراض من الكونغرس.
وبهذا تكون هذه الإدارة قد حققت بنجاح كامل المهام التي كلفتها بها الجهات التي تقف وراءها، أما عن الفضائح والأكاذيب وعن مصائر الشعوب والدول وعن القتل والدمار والسلام والأمن العالميين فهذا حديث العامة والشعوب البائسة وليس حديث الخاصة من النخبة أصحاب المصالح العليا القابعين خلف الكواليس.