هذه المعارك المحتدمة قد لا يشعر بها أهل عالمنا الثالث.. نقصد الشعوب التي ما برحت تواجه ثالوث الفقر والأمية والأمراض المتوطنة أو حتى الوافدة من أصقاع العالم الصناعي المتقدم.
نقصد بذلك أيضا معارك الخلاف المشتعل حاليا في أميركا بالذات حول الظاهرة الكوكبية التي تحمل اسم «التساخن أو الاحترار العالمي» ومفادها ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بما يفضي إليه ذلك من خطورة ارتفاع منسوب سطح البحر وانحسار أو تآكل، بل اختفاء، مناطق ساحلية وجزر بحرية ومحيطية وأراض واطئة تحوي مدنا ومنشآت ومساكن ومعايش لشعوب بأكملها في بقاع شتى من هذا العالم.
أما المعارك التي ما زلنا نتابعها على الساحة الأميركية فهي مندلعة بين فريقين أصبحا معروفين في مضمار السياسة أو الشأن العام في أوروبا والولايات المتحدة ويمكن ترجمة عنوانهما على النحو التالي:
فريق التحذير أو الإنذار.. هؤلاء الذين ما برحوا يهددون بالويل والثبور وسوء المصير الذي ينتظر العالم من جراء التحولات الإيكولوجية في بيئات الأرض وهي ناجمة بدورها عن زيادة الانبعاثات من أكاسيد الكربونية السُمية المحتوى كما يقول علماء الكيمياء.
وهي بالتالي تشكل خطرا جسيما بل مهلكا على حياة الإنسان والحيوان والنبات هذا هو الفريق الذي ينّبه إلى أن الاستمرار إلى حد الاستمراء في ممارسة الأنشطة الصناعية بغير تدبر لعواقب عوادمها وأبخرتها ما انفك يزيد كميات ثاني أكسيد الكربون المهلك للحياة فوق الكوكب من 1, 18 مليار طن في عام 1980 إلى حيث يتوقع أن يبلغ 7, 43 مليار طن من هذه المواد السامة الفتاكة في عام 2030.. (يعني بين غمضة عين وانتباهتها بالنسبة لكوكب الأرض ولمليارات البشر المقيمين فوق سطحه).
يلفت النظر أن يقف عند قمة هذا الاتجاه التحذيري مسؤول أميركي كبير وشهير ليس أقل من السيد آل جور نائب رئيس الولايات المتحدة الأسبق.. وهو سيناتور سابق أيضا، فضلا عن استناده إلى تاريخ شخصي مسجل ومعروف ربما منذ عقد الثمانينات حافل بالاهتمام عن كثب وصبر طويل وجميل بتطورات ظواهر الطقس والمناخ السلبية التي أصابت العالم.
ولاسيما نتيجة النشاط البشري.. ما بين اجتثاث الغطاء النباتي في أدغال أفريقيا وآسيا إلى تدمير هذا الغطاء الشجري على يد احتكارات الأخشاب الدولية بالغابات المطيرة في حوض الأمازون بأميركا اللاتينية إلى الإسراف في عوادم وانبعاثات الأنشطة الصناعية وفي مقدمتها استخدامات الفحم ومشتقات النفط وصناعات البترو ـ كيماويات وما إليها.
ولا بد أن نعترف أن آل جور إذ كان نائبا للرئيس في البيت الأبيض كان يعيش تناقضا إيجابيا كما قد نقول.. بمعنى أن كان الرجل الثاني لرئيس كاريزمي الشخصية جم النشاط هو بيل كلينتون ـ الأمر الذي وضع النائب جور باستمرار في خانة الظل. ولكن يحسب له أن لم يستسلم لآفة الغيرة السياسية.. بقدر ما استثمر وقت فراغه الطويل لكي يركز على ضربين أساسيين من ضروب النشاط:
الأول تجسد في دراسة أشرف عليها لتطوير الأداء في مجال الإدارة ـ الحكومة الاتحادية في بلاده وكان أن أصدر مع منتصف التسعينات التقرير الشهير الذي حمل عنوانا مبتكرا هو: «إعادة اختراع الحكومة»®. فيما واصل آل جور اهتمامه بالقضية المحورية الثانية وهي قضية البيئة وخاصة بعد أن جانبه التوفيق - ظلما أو إنصافا لا يهم - في الفوز بمنصب رئيس الدولة في بلاده وبعدها يحسب له أيضا أن لم يركن إلى طائف اليأس أو المرارة..
بل استمر في التركيز على مشكلة تغير المناخ بالذات ونجح في تحويل أفكاره ودعواته من الحرف المكتوب والمحدود بداهة من حيث اقتصاره على جموع القارئين.. فكان أن ترجم الرجل هذه الأفكار إلى لغة السينما فأشرف على إنتاج فيلمه بعنوان «حقيقة غير مريحة» لينقل أو يوسع حيز الاهتمام الإيكولوجي من جموع القراء المحدودة إلى ملايين مشاهدي السينما أو التلفزيون.
في كل حال استطاع آل جور، ومن في صحبته من فريق المحذّرين كما أسميناهم أن يضعوا قضية البيئة في بؤرة وعي جماهير الناس. ليفوز فيلمه ـ كما هو معروف ـ بجائزة الأوسكار الرفيعة في موسم عام 2006 إلى أن أعلنت جامعة مينسوتا مؤخرا على لسان رئيسها البروفيسور بوب بروننكس اعتزام منحه درجة الدكتوراه الفخرية اعترافا بفضل آل جور في هذا المجال.
ويبدو أن هذا المنعطف من التطورات كان القشة التي قصمت ظهر الصبر عند الفريق الآخر أو كانت الشرارة التي اندلعت لتحرك كوامن الرفض أو المعارضة أو الاستفزاز.. وهنا يصل حديثنا بإيجاز شديد إلى الفريق الذي يقف عند الضفة المقابلة ـ بمعنى المعارضة إزاء قضية البيئة في عالمنا:
فريق الطمأنة واللا تهديد.. ويتألف بدوره من مفكرين وعلماء وسياسيين يرفضون هذه النغمة من الوعيد والإنذار والتلويح بما يشبه نهاية العالم وانهيار أنساق الحياة وتداعي دعائم الكوكب فوق رؤوس ساكنيه.
ويسترعي الاهتمام في هذا المضمار تلك الدعوة التي نشرتها أكبر مؤسسات الميديا الإعلامية في أميركا لعقد مناظرة ستكون مشهودة في حال تنفيذها.. بل ستكون في رأينا علامة تحوّل فارقة في هذا الخطاب الإيكولوجي الذي نرى أنه لا ينبغي أن يقتصر على أميركا أو الغرب أو عالم الشمال المتقدم وحده، بل يجب أن يمتد الاهتمام به ومتابعة مجرياته ليشمل وطن امتنا بخاصة والعالم النامي الثالث بشكل عام.
ولم يكن صدفة أن يختار المعنيون عنوانا له دلالته التي لا تخفى لهذه الدعوة إلى الحوار. والعنوان مركب يتألف من جزأين: الأول، يقول إنها مناظرة من باب التحدي.. أو أنها التحدي بواسطة الحوار. والجزء الثاني من العنوان يقول بغير مواربة: إن التساخن الكوكبي ليس أزمة. أما طرفا الحوار اللذان وجهت إليهما الدعوة فهما آل جور شخصيا من جهة واللورد مونكتون من جهة أخرى وقد قدموه بوصفه خبيرا في مجال البيزينس ومستشارا سابقا لمارغريت تاتشر رئيس وزراء المحافظين في بريطانيا في سالف الأيام.
لا مناص من ملاحظة أن الذين يلقون قفاز التحدي ضد آل جور وتحذيراته، وضد ما توصل إليه فريق الأمم المتحدة المعني بتغيرات المناخ وأحوال بيئة كوكبنا يمثلون، كما قد نتصور، الاحتكارات الصناعية العاتية والدوائر الرأسمالية الكبرى التي ترى في مواصلة التدمير البيئي واستمرار التحذيرات من مغبة أنشطتها في مجالات التصنيع أو الموارد من البحر أو الغابة أو المنجم.. خطرا يهدد مصالحها المليارية ومكاسبها السوبر ـ طائلة.
وفي كل حال فالجهة الداعية إلى مثل هذا الحوار الذي يستحق المتابعة والاهتمام تحمل اسما علميا أو أكاديميا هو «معهد هارتفورد» الذي يبدو أنه حشد في الآونة الأخيرة جهودا لمفكرين وعلماء من أجل مهاجمة آل جور وتفنيد طروحاته التي تحذر مما آلت إليه أحوال كوكبنا.
وفي هذا السياق أصدر المعهد في 20 مارس الماضي دراسة علمية بدورها حملت انتقادات شديدة للاتجاه إلى منح النائب الأسبق للرئيس الأميركي درجة الدكتوراه، على نحو ما ألمحنا، لدرجة أن وصفتها بأنها دكتوراه في «الحماقة»(!) واستعانت دراسة هارتفورد بأكثر من مصدر دولي للرد على ما ذهب إليه آل جور في معرض التحذير من ذوبان الجليد القطبي في شمال أوروبا أو تآكل الكتلة الثلجية فوق جبال الهملايا في الهند أو جبل كلمنغارو في أفريقيا وهو ما يهدد في رأي جور وآخرين مخزونات البشرية من المياه العذبة اللازمة لاستمرار الحياة.
يدور هذا الصراع الذي لا يكاد يلحظه أحد وسط أخبار الإنفجارات والانتحارات المأساوية في العراق وصواريخ الأخبار التوافه حول زواج وطلاق نجوم السينما وتقلب أمزجة نجوم الرياضة وترمومتر البورصات بين الصعود والهبوط ولكنه يدور أيضا على خلفية أعمال أكثر جدية ورصانة يعكف على إنجازها الفريق الدولي المعني بتغير المناخ الكوكبي حيث شرع خبراؤه بتكليف من الأمم المتحدة منذ بدايات شهر مايو الحالي على وضع خطة أو «أجندة عمل» ترمي إلى استثمار منجزات التكنولوجيا المتاحة حاليا من أجل تخفيض حجم الانبعاثات الكربونية والتركيز على برنامج جديد قد يهم دوائرنا العربية المنتجة للبترول.
هذا البرنامج وصفته الجارديان البريطانية (عدد 4/5 الأسبوعي) بأنه يرمي إلى الأخذ بمزيد من الكفاءة (بمعنى الاقتصاد أو القصد أو التوفير) في استهلاك الطاقة سواء تلك المستخدمة في المركبات أو المباني أو المصانع أو غيرها، هذا فضلا عما أكده الكاتب ديفيد آدم (الجارديان أيضا) بأن العالم ما زال يمتلك من الموارد المالية والمهارات البشرية ما يجعله قادرا على التصدي لظاهرة التساخن إياها، أو على الأقل وقف مسارها واتقاء أخطارها.
صحيح أن إعادة ترميم أو إصلاح ما فسد في كوكب الأرض سوف يقتضي جهودا وأموالا تفوق بكثير مشروع مارشال الشهير الذي استهدف ترميم الدمار الأوروبي بعد غائلة الحرب العالمية الثانية.. لكن الخطر قائم والحل ممكن.. وتكاليفه باهظة، ولا بد للإنسانية أن تتحمل التكاليف.
كاتب مصري