من ردود أفعالهم على محتويات تقرير فينوغراد الخاص بتقييم الأداء الإسرائيلي في الحرب على حزب الله ولبنان صيف 2006، نفهم أن المعنيين والمتابعين العرب بعلم وبغير علم لم يغادروا عادتهم القديمة في الاختلاف والتدافع بين الرؤى ووجهات النظر.

لقد أسقط هؤلاء على قراءاتهم مكنونات صدورهم ومواقفهم وتقديراتهم المسبقة تجاه سيرورة الصراع والتسوية مع إسرائيل وكذا تجاه حزب الله ومنهجية الممانعة والمقاومة المسلحة، فجاءت أصداء التقرير لدى بعضهم مغموسة بعدم الحياد وتنكب الموضوعية والابتسار.. وفى هذا الإطار بتنا أقرب إلى قصة العميان في وصف الفيل.

فهناك من اعتبر التقرير اعترافاً رسمياً إسرائيلياً بالهزيمة أمام حزب الله، بما يفترض أن يحسم الجدل حول نتيجة هذه الجولة.. فضلاً عن كونه وثيقة تدين إسرائيل بتحويل حادث حدودي روتيني إلى حرب مسعورة، شنتها قيادة هوجاء قليلة الخبرة انطلاقاً من ثقة مفرطة في الذات، تبين انه لم يكن لها موجب.

وهناك من رأى أن التقرير ينطوي على إنذار مسبق بجولة عدوانية أخرى يجري الإعداد والتمهيد لها في الأوساط الإسرائيلية ضد واحدة أو أخرى من الجبهات المحيطة بالجوارين القريب أو البعيد نسبياً (إيران).. ذلك لأنه (أي التقرير) ينسب الفشل في حرب 2006 إلى تقصيرات وعيوب ونقائص في الإدارة الإسرائيلية السياسية والعسكرية وليس إلى الأداء المتطور لحزب الله.

وهذا يعني انه ليس على إسرائيل لتكسب الجولة المقبلة وتسترد هيبتها الرادعة سوى تصحيح هذه العيوب.. ولا أدل على ذلك من احتفاظ رئيس الوزراء إيهود أولمرت بثقة حزبه كاديما وتلعثم مناهضيه داخل الحزب وخارجه بشأن إقالته أو استقالته. فتأويل ذلك أن الرجل قد يمنح فرصة أخرى لإثبات الجدارة وإغاظة الشامتين فيه وفى المؤسسة العسكرية معاً.

وهناك فريق أضاف التقرير إلي اضبارة مسوغاته لجدوى المقاومة العربية بمختلف ضروبها وأشكالها، لاسيما المسلح منها، للمشروع الصهيوني وكيانه السياسي إسرائيل. ويعتقد هذا الفريق أن التقرير كتب بعقلية استخباراتية وسيكولوجية محترفة أخفت الكثير، وأرادت تهدئة روع المتشككين في مستقبل هذا المشروع جراء التراجعات وتجليات الإخفاق المتوالية والهبوط الملحوظ في خطه البياني أمام معسكر المقاومة العربية..

حيث الهروبين الأحاديين من جنوب لبنان 2000 وغزة 2005 ثم الهزيمة المنكرة أمام حزب الله 2006ومن قبل ذلك بسنين الانسحاب من سيناء، واستمرار حاجز الصد الشعبي والعربي ضد التطبيع، علاوة على إطلالة الخطر الإيراني بقوة في المحيط الإقليمي وشحوب فكرة الاستسلام التاريخي للفلسطينيين داخل حدود 1948 وخارجها.

والحق أن التقرير يقبل هذه التصورات جميعها، وبخاصة الأخير منها الذي يستبطن طمأنة عامة الإسرائيليين إلى أن انتكاسة يوليو 2006 مسألة استثنائية عابرة، تقع على عاتق بضعة قادة، ويمكن تدارك تجلياتها ومحاصرة تداعياتها بإجراءات احترازية. لكن التصور الذي يستاهل وقفة تأمل أكثر من غيره، هو ذلك الذي يذهب إلى ان فينوغراد آية عظمى من آيات الديمقراطية والشفافية والمؤسساتية والمساءلة والمحاسبة في الدولة الصهيونية.

وانه لولا تفيؤ إسرائيل بهذه الخصائص والعمل بسننها ومقتضياتها لما عرفنا وبقية الخلق في الجهات الأربع شيئاً عن مسار التحقيق حول الحرب، بل وربما ما كان هناك تحقيق من الأصل. وانه حري بالعرب أن يأخذوا بهذه الموعظة التي لم يألفوا مثلها رغم هزائمهم الكثيرة أمام إسرائيل!

لم يلحظ أصحاب هذا التصور أن واحداَ من تقارير التحقيق المعجبين بها التي صدرت بعد انتكاسات إسرائيل في بعض حروبها مع العرب، لم يعترف بقدرة هؤلاء الأخيرين على إلحاق هزيمة ما بهذه الدولة في ظل شروط معينة. إسرائيل عند صناع هذه التقارير ومدبجيها ليست قابلة للانكسار أو حتى للانثناء وإنما تحتمل الفشل المؤقت والمحدود لا غير.

ولم يلحظ هؤلاء أن التقارير التي يشيدون بموضوعيتها تستعمى جميعها عن المضامين الإجرامية لعمليات الجيش الإسرائيلي في ميادين القتال، والتي عادة ما تجعل البنى التحتية المدنية من بشر وشجر وحجر ومؤسسات أهدافاً للتدمير. ولو كان الإنصاف هادياً لهكذا تحقيقات لفطن المحققون فيها إلى الانحطاط الأخلاقي لجيشهم الفاشستي، ولكانوا لفتوا النظر إلى أن أمراً كهذا يعلن عن الخواء والوهن النفسي والعقيدي لهذا الجيش وافتقاده للشرف العسكري، وهذه من موجبات الهزيمة لا الظفر.

والواقع أن انطلاق التحقيقات الإسرائيلية من قناعة مسبقة بأن انتصار إسرائيل في حروبها مع العرب هو قدر مقدور لا راد له، ينتمي إلى السخافات التي قد نتمنى ألا تتخلى عنها نخب الحكم والسياسة في إسرائيل!..لأننا نحسب أن هذا السلوك النمطي من أمهات الخطايا التي ستقود هذه الدولة من نكسة إلى أخرى وربما إلى الانهيار الكامل ذات حين.. ان الاعتقاد بأن النصر حليف أبدي لدولتهم من شأنه إيقاع المتنفذين الإسرائيليين من ساسة وعسكر واستراتيجيين فريسة للثقة الفائضة بالنفس إلى مستوى الورم الخبيث.

ونعرف من سنن التاريخ أنه ما من قوة طالها هذا المرض سليل العنصرية البغيضة، حيث تضخم الذات واستصغار الأعداء، الا تضعضعت أو تعرضت للهزيمة المنكرة في لحظة ما.علاوة على ذلك، فانه لا صحة للزعم بأن العرب قد افتقروا بالمطلق إلى أريحية النظر والتدبر في نتائج معاركهم مع إسرائيل وتبصرها بعقلانية ومنهجية علمية.

هذا وإلا ما معنى تحسن أدائهم بوتيرة متصاعدة على مدار الزمن؟! من قال ان هذا الأداء على مختلف الجبهات ظل نمطياً ومصمتاً ومتماثلاً وانتهى إلى المصير ذاته في مختلف الجولات العسكرية؟ وبم نفسر الفارق المذهل بين الإدارة العربية لحربي 1967 و1973 بالنسبة للجيوش النظامية وبين حربي 1982 و2006 بالنسبة لقوى المقاومة؟ ومن ذا الذي ينكر ترقي أساليب هذه الإدارة على كل الصعد والشروط ذات الصلة بأسباب النصر والهزيمة؟

العالم العربي صدم بأكثر من هزيمة في غمرة المواجهة الكبرى مع المشروع الصهيوني، لكنه اجتهد في مراجعة شتى جوانب حياته، نقداً للذات وأحياناً جلداً لها، باحثاً عن جذور هذه الهزائم وكيفية معالجتها.

ربما لم تأخذ هذه المراجعات شكل اللجان والتقارير الرسمية الشفافة نسبياً والمصحوبة بزفة إعلامية على الطريقة الإسرائيلية، غير انها لم تغب من أفق المناظرات المعمقة على الصعد الفكرية الثقافية بالذات. بعد هزيمة 1948مثلاً، كتب قسطنطين زريق معنى النكبة وبعد هزيمة 1967 كتب الرجل نفسه معنى النكبة مجدداً!، وكتب وليد قمحاوي النكبة والبناء في الوطن العربي وكتب محمد عزة دروزة من وحي النكبة ولأجل معالجتها، وعام2000 أخرج مركز دراسات الوحدة العربية عمله الموسوعي العرب ومواجهة إسرائيل الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة من دروس هذه المواجهة إلا أحصاها وأخضعها للجرح..

وقد فعل الشيء ذاته عشرات من رموز الفكر والعلم والثقافة العرب فرادى ومجتمعين في ندوات وورش عمل ومؤتمرات علمية رصينة. ولم تذهب جهودهم قبض الريح، بل أسست للمسافة التي يجحدها البعض بين أداء كل العرب في حرب 1948 وأداء حزب عربي واحد في دولة واحدة عام 2006.. واسألوا لجنة فينوغراد.

كاتب وأكاديمي فلسطيني