منذ قيام مجلس التعاون الخليجي في عام 1981، والكثير من الآمال والتطلعات للمواطن الخليجي في تكامل اقتصادي وإعلامي وسياسي أصبحت مشحونة بالعواطف لدرجة أن الإخفاقات التي أحيطت بمسيرة المجلس على جميع هذه الأصعدة تركته في حالة من الخذلان المتواصل انضمت إلى قافلة الاحباطات العربية تجاه ما كان يعرف بمشروع الوحدة العربية.
ولعل الروح الاستنهاضية التي تبناها الجيل الثاني من قادة دول المجلس قد سّرعت نسبيا من وتيرة التحركات لإحداث فرق في بعض الموضوعات التي تآكلت من فرط التهميش والتأجيل، وكأن إرهاصات ولادة سوق خليجي مشتركة أو اتحاد جمركي موحد تحتاج إلى معجزة لإثبات أن الأمل لا يزال مشروعا في ظل التلكؤ الذي ساد طوال فترة زمنية ليست بقليلة ساورت أثناءها بعض المحللين شكوكا تجاه أن يكون لهذا المجلس أي طموح تكاملي يذكر في ظل الأسباب السياسية التي دفعت لإنشائه إبان الحرب العراقية الإيرانية.
ورغم ذلك يخرج المجلس في كل قمة تعقد بأجندة زاخرة تظل تؤكد على الثوابت وتطمح إلى دفع عجلة العمل نحو الانجازات لتلبية الرغبات والمطالبات بتفعيل اللجان المشتركة بين دول المجلس وتوحيد الجهود في بعض الموضوعات التي تظل ملّحة عاماً بعد عام، وكم كان مهما أن تلبى بعضا من هذه الطموحات البسيطة مثل التنقل بين دول المجلس بالبطاقة الشخصية التي تظل اضعف الإيمان في ظل تعسر طويل فاق حدود الصبر لمواطني المجلس.
وإذا تعمقنا في عامل الصبر الذي يتصور به المواطن الخليجي تجاه المجلس وما ينبغي أن يثمر عن هذا التعاون سنجد انه يتوازى مع التصريحات التي يخرج بها أمين عام المجلس قبيل كل قمة والتي تدور في فلك أن الحاجة أصبحت ملحة من اجل المضي قدما بمسيرة مجلس التعاون إلى أقصى مراحل التنسيق وصولاً إلى التكامل المنشود، تنفيذا للأهداف التي حددها النظام الأساسي للمجلس وتحقيقا لتطلعات وآمال مواطنيه.
وفي هذا الاتجاه دخل مجلس التعاون الخليجي مرحلة صعبة وفارقة تطلّبت منه مواكبة التحدي الذي يطالبه بانجاز مشروع السوق الخليجية المشتركة والإعلان عن اكتمالها في نهاية العام الحالي على أن يستمر في مواصلة استكمال مراحل التكامل الاقتصادي والتي من بينها الاتحاد الجمركي الذي بدأ العمل به في الأول من يناير عام 2003، إضافة إلى مشروعات الربط الكهربائي والمائي، والبرنامج الزمني للوحدة النقدية، وشبكة سكة حديد موحدة.
في ظل هذا الانجاز المؤجل يتداول على هامش اللقاءات والاجتماعات لدول المجلس التي تعمل على إزالة المعوقات أمام السوق الخليجية المشتركة مصطلح (المواطنة الاقتصادية) والتي تضع لبنة لمفهوم جديد في معنى المواطنة المتعارف عليه، الأمر الذي يترتب عليه سلسلة من الحقوق والواجبات قد يجهلها المواطن الخليجي .
والذي لم يتحقق من هذه المواطنة فعليا لأنه لم يمارسها بالصورة المثلى بعد، مما يدفع البعض إلى التساؤل عن أهمية تثقيف المواطن الخليجي وتهيئة المناخ المناسب لهذه المرحلة المتقدمة والتي تفرض عليه التعامل مع أسلوب جديد من أساليب التكامل الاقتصادي التعاوني يتعدى الحدود الجغرافية لوطنه الأم.
ورغم أن اتفاقية عام 1981 لم تتضمن أي ذكر مباشر للمواطنة الاقتصادية أو السوق المشتركة، فإن الاتفاقية الاقتصادية المطورة لعام 2001 نصت مباشرة على أن الهدف من تحقيق المساواة في المعاملة في المجالات العشرة الواردة فيها هو تحقيق السوق الخليجية المشتركة، كما تشير إلى تحقيق المواطنة الاقتصادية كهدف من أهدافها، وحتى الاجتماع الثالث والسبعين للجنة التعاون المالي والاقتصادي الذي عقد قبل يومين في مقر الامانة العامة للمجلس بالرياض ذهب الأمين العام للمجلس إلى التأكيد مرة أخرى على المواطنة الاقتصادية ودورها في تعميق المواطنة الخليجية.
وأمل الأمين العام في كلمته الافتتاحية من الجهات المعنية في الدول الأعضاء بتنفيذ ما صدر من قرارات بهذا الشأن وإلغاء القيود التي تعيق من استفادة مواطني دول المجلس من هذه القرارات وتنفيذاً لما نصت عليه الاتفاقية الاقتصادية بأن يعامل مواطنو دول المجلس في أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية.
وبنظرة عامة على هذه الاتفاقية سنجد أنها عكست الظروف الحالية لدول المجلس ووضحت الرغبة في تنمية وتدعيم الروابط الاقتصادية فيما بين دول المجلس، وعملت على تقريب سياساتها الاقتصادية والمالية والنقدية وتشريعاتها التجارية والصناعية والأنظمة الجمركية المطبقة فيها، إلا أن المعوقات التي تواجه تطبيق بنود هذه الاتفاقية أو بمعنى أدق تفعيلها لا تحول بين تحقيق مفهوم المواطنة الاقتصادية بل تحبط محاولات تحوّل المجلس إلى تكتل اقتصادي فاعل في ظل تكتلات عالمية اقتصادية مؤثرة، وحتى لا يتم إجهاض الجهود التي تعمل من أجل تذليل الصعوبات والعقبات.
والتي تتفرع من عدة لجان مختصة لتحقيق المتطلبات اللازمة لضمان تحقيق السوق الخليجية المشتركة في موعد أقصاه نهاية عام 2007، فإن الأمل يحدو بالمواطن الخليجي إلى تحقيق هذه الجهود الرامية لرفاهية مجتمعاته الخليجية وتوفير التكامل المطلوب بين الأسواق الخليجية بعيدا عن المعوقات البيروقراطية بخاصة وأن هذه الدول لديها من العوامل المشتركة والمقومات الاقتصادية والخبرات العملية ما يضمن نجاح المشروعات المشتركة.
وإذا كان التحدي أمام دول المجلس في المرحلة القادمة يتجسد في النجاح بالتزامها في الإعلان عن اكتمال مشروع السوق الخليجية المشتركة في التاريخ المحدد، فإن التحديات الأهم لا تزال قائمة ولا شك مع مضي الوقت ستستجد موضوعات جديدة في أجندة المجلس ربما تكون أكثر إلحاحا وتحديا، وكما هو معروف فإن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة وهذا ما بدأه السوق الأوروبي المشترك في خمسينات القرن المنصرم الذي وصل إلى اندماج كامل فيما يعرف الآن بالاتحاد الأوربي محققا نجاحا باهرا ونموذجا للاحتذاء.
فيما فشلت فيه جامعة الدول العربية التي خرجت للنور كتكتل عربي موحد في نفس الفترة الزمنية، وقد نحمّل مجلس التعاون الخليجي في هذه النظرة التفاؤلية ما لا يحتمل لكن تبقى الرغبة في تحقيق مستقبل أفضل مرهون بقدرة الأفراد على استيعاب الأهداف البعيدة واستشراف نتائجها وهذا يعتمد على تغليب صرف للمصلحة المشتركة والإيمان بقيمة الأجيال والحرص على تنمية مواردها واستثمار الفرص السانحة اليوم التي قد تتعذر مستقبلا في ظل تغير متسارع لتوازنات القوى العالمية، فهل نعتبر؟
كاتبة إماراتية