في التقرير الأخير الذي رفعه السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون لمجلس الأمن حول المسألة الصحراوية طالب كلا من المغرب وبوليساريو بالتفاوض المباشر من اجل إنهاء هذة المسألة، وبالفعل بدأت خطوات عملية لتحقيق هذا الأمر حيث أعلن محمد بخاري، ممثل جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) في نيويورك، انه يتوقع وصول موفدين خاصين للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى المغرب والجزائر في 15 مايو الحالي لتحديد إطار المفاوضات بين الرباط والبوليساريو لإيجاد حل للنزاع في الصحراء الغربية. وهذة التطورات تطرح أسئلة جدية حول ما إذا كان التفاوض المباشر بين الطرفين يمكن أن يتمخض عن حل نهائي لهذة المشكلة.
والحاصل إن هذة الخطوة من مجلس الأمن جاءت بعد تطورات متلاحقة شهدتها المسألة الصحراوية في مقدمتها المبادرة الجديدة التي أعلنتها المغرب وقامت بحملة تسويق دولي لها وهى خطة للحكم الذاتي تقوم على «التزام المغرب بالعمل على إيجاد حل سياسي نهائي»، ويشير المشروع صراحة إلى أن «سكان جهة الحكم الذاتي للصحراء، داخل الحدود الترابية للجهة، ومن خلال هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية، وفق المبادئ والقواعد الديمقراطية، منوط بهم عدة اختصاصات، ولاسيما في الميادين التالية:الإدارة المحلية والشرطة المحلية ومحاكم الجهة، على المستوى الاقتصادي:
التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة، وميزانية الجهة ونظامها الجبائي والبني التحتية: الماء والمنشآت المائية والكهربائية والأشغال العمومية والنقل، وعلى المستوى الاجتماعي: السكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية، والتنمية الثقافية: بما في ذلك النهوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني، والبيئة.
اما الدولة المركزية فتحتفظ باختصاصات، منها مقومات السيادة، لاسيما العلم والنشيد الوطني والعملة، والمقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك، من حيث انه الضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية، والأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية، والعلاقات الخارجية، والنظام القضائي.
وتباشر الدولة المغربية، حسب مسودة المشروع، العلاقات الخارجية، بتشاور مع جهة الحكم الذاتي للصحراء، وذلك بالنسبة لكل القضايا ذات الصلة المباشرة باختصاصات هذه الجهة. ويجوز لجهة الحكم الذاتي للصحراء، بتشاور مع الحكومة، إقامة علاقات تعاون مع جهات أجنبية بهدف تطوير الحوار والتعاون بين الجهات.
وتتكون الجهة، حسب المشروع نفسه، من برلمان الحكم الذاتي أعضاؤه منتخبون من طرف مختلف القبائل الصحراوية، وكذا من أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة. كما يتعين أن تتضمن تشكيلة برلمان جهة الحكم الذاتي للصحراء نسبة ملائمة من النساء.
ويمارس السلطة التنفيذية في جهة الحكم الذاتي للصحراء رئيس حكومة ينتخبه البرلمان الجهوي وينصبه الملك، يتولى رئيس حكومة جهة الحكم الذاتي للصحراء تشكيل حكومة الجهة، ويعين الموظفين الإداريين الضروريين لمزاولة الاختصاصات الموكولة إليه، بموجب نظام الحكم الذاتي. ويكون رئيس حكومة الجهة مسؤولاً أمام برلمان الجهة. بينما يتولى البرلمان الجهوي إحداث محاكم تتولى البت في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيئات المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء.
وتصدر هذه المحاكم أحكامها بكامل الاستقلالية، وباسم الملك، وسيكون نظام الحكم الذاتي موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديمقراطية. ويعد هذا الاستفتاء، طبقا للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، بمثابة ممارسة حرة من قبل السكان الذين يعيشون في المنطقة، لحقهم في تقرير المصير.
وبالتالي نستطيع القول إن هذا المشروع المغربي هو الذي سيكون أرضية للتفاوض وأنها لن تقبل أية مساومات حوله، أما بوليساريو فعلى الرغم من انها لا قبلت مبدأ التفاوض المباشر ولم تضع أية شروط مسبقة فهي مازالت تتعامل مع المسألة الصحراوية باعتبارها من مشكلات تصفية الاستعمار.
وهذا الأمر يكشف عن بون شاسع بين الجانبين لان الخطة المغربية لا تتنازل عن تبعية الصحراء الغربية للاراضى المغربية، إما التعامل معها باعتبارها من مشكلات تصفية الاستعمار فيعنى انه لابد من أن تتضمن السيناريوهات المستقبلية لها حق تقرير المصير لسكان المنطقة بما يمكن أن يؤدى في النهاية إلى استقلال الإقليم.
وهناك نقطة جديرة بالإشارة وهى ان التفاوض بين الجانبين لن يكون الأول الذي يتم بصورة مباشرة فقد سبق لهما أن جلسا معا للتفاوض في هيوستن بولاية تكساس في الولايات المتحدة تحت رعاية وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر حينما كان ممثلا خاصا للسكرتير العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان .
ولكنهما لم يتوصلا إلى أية حلول وكان جدول الأعمال آنذاك يقتصر على البحث في العقبات التي تعترض تنفيذ خطة الأمم المتحدة الخاصة بالمسألة الصحراوية وقد تم التفاوض سرا ثم أعلن عنه فيما بعد. أما هذه المرة فان التفاوض سيكون علنيا وسيكون الهدف منه الوصول إلى حل نهائي للمسألة الصحراوية وسيكون تحت رعاية أطراف دوليين وقد يكون تحت غطاء الأمم المتحدة، وهو ما يعطى للتفاوض وضعا رمزيا أفضل عنه في السابق.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يمكن إن يؤدى مثل هذا التفاوض إلى حل المسألة الصحراوية؟. الإجابة بالطبع ليست بالأمر السهل ولكن من المفيد الإشارة إلى أمر غاية في الأهمية وهو انه لا يمكن تصور حل اى نزاع دولي مهما كانت وضعيته من دون توفر إرادة الحل لدى الأطراف الرئيسية المتورطة فيه. وبالتالي فان البحث عن حل للمسألة الصحراوية يتطلب البحث عما إذا كانت إرادة الحل متوفرة لدى الأطراف الرئيسية فيه ونقصد بها كلا من المغرب وجبهة بوليساريو.
وهذا الأمر يتطلب البحث في الظروف الموضوعية للطرفين وهنا يمكن أن نلمح بوادر مناورات سياسية وراء طرح المبادرة المغربية بعدما لاحظت المغرب أن المجتمع الدولي مهيأ لقبول الصيغة التي طرحتها وهى صيغة معدلة من مبادرات سابقة لها لم يتح لها التطبيق على ارض الواقع فضلا عن أنها تتناقض مع الإطار العام لخطة الأمم المتحدة لتسوية المسألة الصحراوية، فأرادت أن تستثمر هذا المناخ من اجل تطبيق تصورها حول هذة المسألة، أما الرد الصحراوي الذي بدا منه بعض المرونة فجاء بهدف ألا تبدو البوليساريو متشددة أمام المجتمع الدولي.
من هذه الزوايا بالذات فان الطرفين قد يدخلان إلى التفاوض من اجل كسب الوقت حتى يجد جديدا حول المسألة أو حتى تضغط أطراف خارجية ذات مصلحة من اجل إنهاء المسألة سلميا. وبالتالي رحلة التفاوض قد تستغرق وقتا طويلاً. وقد يجهد الطرفان كل منهما الآخر بنقاط تفصيلية حتى يظهر الضغط الخارجي الذي قد لا يظهر. وهذا يعنى أن التفاوض ليس الأمل النهائي لحل المسألة ولكن الأمل يكمن في فتح الطريق أمام إيجاد إرادة الحل لدى كلا الطرفين.
كاتب مصري