ما من شك أبداً أن النموذج الإسلامي في تركيا اليوم يعتبر حالة متميزة بالنسبة للتجارب الإسلامية السياسية المنتشرة في العالم الإسلامي بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص. ويستحق هذا النموذج أن تسلط عليه الدراسات ويكتب حوله حتى يستطيع الاستفادة من تجاربه ودروسه. فمدخل المقاربة مغري جداً للباحثين والسياسيين على السواء.
وهذا ما عبرت عنه مجموعة المقالات التي شهدتها الصحافة في الفترة الأخيرة، والتي تشيد بكفاءة التيار الإسلامي التركي. والشيء الملفت للنظر أن الإشادة كانت من كتاب ذوي مرجعيات ليبرالية علمانية وآخرين إسلاميين على السواء. ويبدو أن هناك اتفاقا عاما في العالم العربي على نجاح تجربة الإسلام السياسي في تركيا.
عند دراسة التجربة السياسية الإسلامية في تركيا وما حققته من نضج فكري وسياسي، انعكس بدوره على معظم مجالات الحياة سواء على مستوى الاقتصاد أو الإدارة أو على مستوى العلاقات الخارجية. لا يمكن في الواقع إغفال عاملين أساسيين ساهما في نضج هذه التجربة الفريدة، العامل الأول يتمثل في التحول الثقافي الذي شهدته تركيا على مر عقود طويلة من الزمن وخاصة منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك وإحداث ما يعرف بالثورة المعرفية والثقافية التي كانت تدعو إلى تغريب المجتمع التركي.
والتي مازالت الدعوة مستمرة إليها كما يتضح في جهود تركيا المستمرة كي تصبح عضواً كاملاً في الاتحاد الأوروبي، ولقد كان التغريب مستساغاً بالنسبة للأتراك لأن من اختاره ليمثل النموذج المثالي للدولة هو شخص تركي وبالتالي فالأتراك هم من اختاروا هذا النموذج ولم يفرض عليهم من قبل قوى خارجية، وخاصة كذلك إنهم لم يتعرضوا للاستعمار من قبل دولة غربية بل على العكس كانت لهم مواقف تاريخية مشرفة في مواجهة الدول الأوروبية في فترة العصر الذهبي العثماني.
وبناء على ذلك لم يحمل الأتراك عداءً عميقاً للغرب الأمر الذي جعل من سياسة التغريب موضوعاً مستساغاً شمل بعض مظاهر الحياة والتغيير في نمط التفكير، إلا إنه ـ أي النظام العلماني التغريبي ـ لم يستطع اختراق البنية الأساسية الإسلامية المحافظة للمجتمع التركي، فلا غرابة عندما كان شخص مثل ـ عصمت إينونو ـ رئيس الوزراء في الفترة من 1923 - 1937ئ؟ يحمل طبعة صغيرة من المصحف في جيبه على الرغم من إنه مثل أتاتورك كان شخصاً علمانياً صارماً.
وقد كان لهذه الثورة المعرفية نتائج بارزة، ولعل التحول الديمقراطي الذي شهدته تركيا منذ أواسط الأربعينات وبداية الخمسينات والذي تمثل في تبني نظام قائم على التعددية الحزبية والسماح بتشكيل أحزاب المعارضة لهو أكبر دليل على اقتناع النخبة العلمانية الحاكمة بضرورة إدخال الديمقراطية كعنصر من عناصر التغريب لا يمكن الاستغناء عنه. فهذا الجو الصحي هو من سمح للنخب الإسلامية بأن تبرز على الساحة السياسية وأن تصل لرئاسة المجالس البلدية والبرلمانية والحكومة، واليوم الحديث دائر حول الوصول لرئاسة الدولة.
فالطبقة العلمانية الحاكمة في تركيا كان لها دور في نمو التيار الإسلامي سواء أكان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فبعض الأحزاب العلمانية وبهدف كسب أصوات الشارع الإسلامي لاعتبارات انتخابية سمحت بفتح معاهد لتدريب أئمة المساجد ومعاهد ودورات لتدريس القرآن وعلومه.
وهؤلاء الأفراد استطاعوا فيما بعد التسلل إلى وظائف الدولة كأفراد في الجيش أوفي الشرطة وقضاة ومهندسين ومدرسين ولعبوا دوراً مؤثراً في محيطهم. كما سمح النظام الحزبي التعددي بإشراك الأحزاب الإسلامية في حكومات ائتلافية عديدة مع أحزاب علمانية. فبشكل عام يمكن اعتبار الجو الديمقراطي الذي أفرزته العلمانية التركية سبباً رئيسياً في نمو التيار الإسلامي سواء أكان بقصد من العلمانيين أو بغير قصد.
العامل الآخر الذي ساهم في نضج الفكر السياسي الإسلامي يعود إلى طبيعة الأحزاب الإسلامية السياسية في تركيا. فهذه الأحزاب منذ أن بدأت تمارس السياسة علنياً منذ مطلع السبعينات تقريباً وهي تحاول تحويل نفسها إلى أحزاب تميل نحو النظام، أي إلى أحزاب سياسية لا تتحدى أسس النظام السياسي في تركيا، بما في ذلك صفته العلمانية، وبذلك تلعب الديمقراطية وفقاً للقواعد الراسخة. فعلى الرغم من سطوة المؤسسة العسكرية والتضييق الذي يمارس على الأحزاب الإسلامية والرقابة الصارمة المفروضة عليهم.
ففي وسط هذه الظروف القاسية لم تتجه الأحزاب الإسلامية للتطرف أو لإعلان الجهاد على العلمانيين بل على العكس تماماً نرى الإسلاميين الأتراك مقتنعين أن الدولة المدنية الديمقراطية هي الصيغة الأقرب للإسلام ولمصالح الشعب التركي. فعلى سبيل المثال حزب العدالة والتنمية يسمي نفسه حزباً (ديمقراطياً محافظاً) ودائماً ما يشير كادر الحزب بأنهم مسلمون يفضلون السياسة العلمانية، وهم يمارسون السياسة وفقاً لهذه الصيغة.
فالرأسمالية واقتصاد السوق لا يزالان سائدان، والممنوعات على المتدينات والمتدينين ما زالت موجودة وسائدة، النقطة الأخرى أن الإسلاميين الأتراك لم يتنكروا للعلاقة بالعالم وخاصة الغرب المسيحي، بل على العكس تماماً يحاولون بكل ما أوتوا من فكر وواقع وقوانين ومفاوضات للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، ولم يفعل ملف الدخول إلى الاتحاد الأوروبي في الحكومات العلمانية قياساً بالحكومات الإسلامية التي استطاعت أن تقطع خطوات كبيرة في هذا المجال. في الوقت نفسه شهدت العلاقات العربية التركية والإسرائيلية التركية أوج ازدهارها في حكم الأتراك المسلمين.
ولم تحظ التجربة التركية بكل هذا الاهتمام إلا عندما يصل الإسلاميون إلى السلطة، حتى أن الأميركان والأوروبيين باتوا يراهنون على تجربة الإسلام السياسي في تركيا. والسؤال الذي بات الكل يردده في هذه الفترة، هل من الممكن الاستفادة من التجربة التركية، وما مدى إمكانية تصدير النموذج الإسلامي الايجابي على الأقل للدول العربية التي يوجد فيها أحزاب إسلامية ذات توجه سياسي.
أعتقد أن الإجابة صعبة والمقارنة كذلك صعبة، فالمجتمع التركي لم يفرض أحد عليه التغيير، فقد اختار التغيير بنفسه وتطور عبر ثلاث مراحل مهمة من ثورة معرفية وثقافية إلى انفتاح سياسي وتعددية حزبية ومشاركة سياسية شملت جميع الأطياف الأيديولوجية إلى ثورة اقتصادية على كافة المعايير خاصة في عهد الحزب الإسلامي الحالي وفقاً لمبادئ الشفافية والأمانة والانضباط.
أتوقع أن المسافة التي تفصلنا عن الأتراك بعيدة جداً وهذا ليس من قبيل تأنيب الذات العربية، ولكن لأن لكل إقليم ظروفه السياسية والفكرية وهنا أركز على هذه الكلمة كثيراً لأن ما دام هناك نية للتغير فلا بد أن تكون ممزوجة بملكات فكرية قوامها التعددية والمشاركة وعدم الإقصاء للآخر ومواءمة بين متطلبات العصر وروحه المتمثلة في تراثه الديني والحضاري دون مزايدة طرف على الآخر.
كاتبة إماراتية