انتقد العديد من المعلقين والمحللين السياسيين الصمت والسلبية العربية تجاه انتخاب نيكولا ساركوزي الذي أعلن بكل صراحة توجهاته الجديدة نحو تقوية علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل بالدرجة الأولى، ما يعني أن على العرب أن يبحثوا لهم (بعد اليوم) عن خارطة جديدة وشريك آخر.

ويبدو فيما يبدو أنه في الوقت الراهن لا يوجد على خارطة العالم دولة واحدة تقبل لأن تكون صديقة للعرب وللمسلمين أو حتى محايدة بينها وبين أعدائها اللدودين! لكنه من المؤكد أن الصمت العربي والإسلامي أمام هذا التحول الحاد في السياسة الخارجية الفرنسية التي رسم خطوطها العريضة ساركوزي ضمن برنامجه الانتخابي يأتي نتيجة انشغال الأمتين العربية والإسلامية بحروبهما ومشاكلهما ومشاغلهما الداخلية، هذا أولاً.

وثانياً، لأن الرئيس الفرنسي المنتخب سبقهما ولم يدع لهما فرصة التعبير عن آرائهما، فمنذ البداية وضع النقاط على الحروف على أساس أن هذا النهج يعتبر أمراً داخلياً غير قابل للنقاش لكونه متعلقاً بمصالح ومستقبل فرنسا.

فهو يتصور - ويحق له ذلك - بأن اختيار المعسكر المهزوم أو الضعيف لن يأتي بالنجاح والتنمية والمكانة الدولية المرجوة لدولة كفرنسا، ولأنه هو أيضاً يحلم بإمبراطورية فرنسية تعيد مجد نابليون الذي أضاعته حكمة شارل ديغول وإنسانية فرانسوا ميتران وأخيراً دبلوماسية جاك شيراك.

وعلى هذا الأساس ظلت 22 دولة عربية (منها 8 دول تتشارك مع فرنسا على حوض البحر الأبيض المتوسط)، مشلولة أمام هذه المفاجأة غير السارة. ولم يتحرك أحد. لأنهم كانوا متأكدين تماماً بأنهم يمثلون المعسكر المهزوم وأن التحرك تجاه فرنسا أصبح ليس ذا جدوى.

خاصة وأن العرب على مدى 30 سنة فقط أضاعوا كثيراً من الأصدقاء في الماضي وجاءت فرنسا في آخر المطاف. ففي يوم من الأيام كانت الجمهورية اليونانية (المسيحية الأرثوذكسية) مثلاً تقاتل مع العرب والقضايا الإسلامية في خندق واحد على حساب مصالحها،

بل كانت تجاهر وتقيم التظاهرات على أرضها (في الوقت الذي يلقي العرب القبض على المتظاهرين ويمنعون التظاهرات المنددة) وتعادي كل من يعادي العرب رغم أنها لم تكن تنتظر ولم تطالب منهم شيئاً في المقابل كما فعلت وتفعل كثير من الدول صاحبة المصالح في المنطقة، إلى أن ضيعوها نتيجة الخلاف اليوناني التركي على قبرص

حيث لم يطبق العرب والمسلمون ولو مرة واحدة سياسة الحياد في تلك القضية - أو الصمت في أحسن الأحوال. إضافة إلى أنهم أهملوها اقتصادياً وسياحياً واستثمارياً وحتى ثقافياً. فما كان من الشعب اليوناني إلا أن كتم مرارته وانسحب شيئاً فشيئاً.

واليوم نجلس نفكر ونبكي على فقدان فرنسا، كما بكينا قبل سنة على ألمانيا التي كانت تنتظر إشارة واحدة من العرب طوال عقود طويلة، وقبل عدة سنوات بكينا كذلك على إيطاليا... والفاتيكان واسبانيا (التي أصابها تفجيرات ودماراً دفع ثمنهما المواطن الاسباني البريء بحجة أن ساستها دعموا احتلال العراق)،

وربما كان أكثر بكاؤنا حسرة كان على روسيا، في الوقت الذي حسنت فيه (إسرائيل) صورتها لدى تلك الدول وأقامت معها شتى أنواع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياحية والتنموية والثقافية والصناعية والتجارية وحتى الزراعية.

ففي أحد تجولاتنا في أسواق الفواكه في اليونان شاهدنا كافة أنواع الفواكه المستوردة من: (إسرائيل)! وعندما سألت البائع لماذا تستوردون الشمام من إسرائيل بينما اليونان تنتج أفضل أنواعه، رد ضاحكاً: (إننا لا نستورده، فهم يزرعونه هنا)!

واكتشفنا في النهاية بأن تلك السوق من أدناها إلى أقصاها لا تبيع حبة تمر عربية واحدة! هذا مثال واحد بسيط، يكشف مدى الغبن الذي نفرضه على أنفسنا في تعاملنا مع العوالم الأخرى. إن علاقاتنا مع العالم لا تتعدى كونها علاقة استهلاكية بحتة أو دبلوماسية غير نشطة.

إن دولة (إسرائيل) لا تملك مقومات تفوق مقوماتنا، ولا اقتصاداً يفوق اقتصادنا، ولا أيدي عاملة تفوق عدد أيدينا العاملة، ولكنها تملك حسن التصرف بما يفوق ألف مرة تصرفاتنا التي تكون أحياناً في غير وقتها وفي غير محلها. صحيح أن ساركوزي (الذي لم يكف أحد الكتاب العرب الساخرين عن ترديد أن أصل اسمه عربي وهو: «صار قوزي») والدته يهودية من سالونيكي في اليونان،

إلا أن ذلك لم يكن سبباً وحيداً لتغيير وجهة سفينة الجمهورية الفرنسية القادمة 180 درجة. وقد يكون هناك تعاطف جيني من جهة تربية والدته له جعلته ينجذب بحكم الدم (حيث ان اليهودي لا يكون يهودياً إلا من جانب الأم) إلى الدولة العبرانية أكثر من غيره من الرؤساء الفرنسيين الذين سبقوه

وبالتالي ينجذب لا إرادياً إلى كل من يحمي يهود العالم، وهذا أمر طبيعي موجود لدينا نحن أيضاً، ولا نلوم فقط ساركوزي عليه، ولكن علينا أن نلعب كأمة عريضة وعريقة وهائلة دوراً أكثر عقلانية من الجلوس والنظر إلى متغيرات العالم أمامنا ونحن كما يقول الفرنسيون: (dans la lune) .

لا أحد يطالب 22 دولة عربية (تمتد تخومها من المحيط إلى الخليج) إضافة إلى عدد الدول الإسلامية (التي تعدى عدد سكانها الـ 3,1 مليار نسمة موزعين على قارات العالم المختلفة) بالذهاب لتقديم واجب الطاعة والولاء لحاكم فرنسي مساحة بلده بأكملها لا تزيد على (2,0) من مساحة السودان فقط!

ولكن نطالب اعتماداً على إمكانيات هذه الدول مجتمعة والتي يحق أن نطلق عليها قارة العرب والمسلمين لمساحتها الشاسعة وعدد سكانها، أن تجعل الرئيس الفرنسي المنتخب قبل يومين يفكر أثناء استجمامه على سواحل مالطا ألف مرة قبل أن يتخذ أي قرار قد يعرض مصالح فرنسا للخطر.

ما هي إمكانياتنا؟ يكفي مشترياتنا من العطور الفرنسية التي تصل إلى مليارات اليورو سنوياً. النفط؟ السلاح؟ الأزياء الراقية؟ الطائرات؟ كلها، حدث ولا حرج. بالتالي، ما هو المردود المنتظر من علاقته القوية مع إسرائيل؟ لا إجابة شافية لدى ساركوزي.

صحيح أننا لا نصنع البديل، ولكن السوق العالمية اليوم مفتوحة على مصراعيها، وتطرح بدائل متعددة. ونحن نرى بأن سياسة الضغط وحدها غير مجدية على المدى الطويل. وفيها خسارة للطرفين مادياً ومعنوياً. وهناك سياسة أكثر بساطة وتعود بالنفع على الطرفين: سياسة التعاون الاقتصادي والتجاري. عندما سيجد ساركوزي نفسه وجمهوريته مرتبطة باتفاقيات اقتصادية واستثمارية مشتركة

وجادة مع الدول الإسلامية والعربية وتعود بالنفع على بلاده لن يجد متسعاً من الوقت للدخول في جدل سياسي عقيم. وسوف يضطر إلى التعامل بعقلية البائع والمشتري مع الدول العربية بعيداً عن عقلية المستعمر التي تراوده منذ حملته الانتخابية لإعادة مجد الإمبراطورية الفرنسية الذي ولى منذ زمن الاستعمار، والذي حاول قبله توني بلير الأمر ذاته وفشل فشلاً ذريعاً وعرض نفسه للسخرية.

إن ساركوزي وهو مرشح لن يكون بأي حال من الأحوال ساركوزي وهو رئيس جمهورية. وعلينا أن ننتهز الفرصة لاستمالته لجهتنا ولدعم مواقفنا في العالم حتى لا نبقى وحيدين نصارع أنفسنا كالديكة. والطريق الوحيد هو النقاش المالي والاقتصادي والاستثماري، وهذا النقاش كفيل لوحده بأن يحل القضايا الأخرى العالقة ويغيّر أفكار أعظم فيلسوف سياسي في العالم. إن أقوى الناس لساناً هم أسرع الناس اقتناعاً!

فمتى سنبدأ بزراعة التمر العربي في فرنسا؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com