قبل أيام من محادثات رايس ـ لافروف في موسكو، وقمة روسيا ـ الاتحاد الأوروبي، نفى الجنرال يوري بالويفسكي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية ما نشر حول سعي الكرملين إلى ربط المشاكل المثارة حول معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا بمخطط واشنطن لنشر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية. وأكد بالويفسكي أن الخلاف حول تعديل معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، لا يمكن أن يكون له صلة مع مسألة منظومة الصواريخ الأميركية.

ويأتي هذا التصريح عقب انتقادات الرئيس فلاديمير بوتين في خطابه أمام أعضاء السلطات التشريعية للشركاء الغربيين في هذه المعاهدة، ودعوته للمشرعين بالمصادقة على قرار بانسحاب روسيا من المعاهدة المذكورة. واعتبر العديد من المحللين أن دعوة بوتين لا تأتي فقط في إطار الرد على مخطط واشنطن لنشر منظومتها الصاروخية في أوروبا، وإنما أيضاً بهدف تحرر موسكو من آية التزامات دولية لتأمين حماية حدودها. إضافة إلى أن هذه المعاهدة وقعت في ظل وجود حلف وارسو وحلف الناتو، واليوم تحول أغلبية أعضاء حلف وارسو إلى أعضاء في حلف الناتو، مما يعنى أن التوازن الذي حدد بنود المعاهدة لم يعد له وجود.

وكانت موسكو قد عبرت مرارا عن استيائها من المخطط الأميركي لنشر منظومة واشنطن الصاروخية، وأكد القادة الروس أن بلادهم قادرة على الرد بالقوة على النوايا الأميركية. لذلك كان من المنطقي أن يعتبر المحللون موقف موسكو من معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا احد محاور خطة موسكو لمواجهة مشروع واشنطن بنشر منظومتها الصاروخية بالقرب من الحدود الروسية.

وسيشهد الأسبوع القادم سلسلة لقاءات هامة، يصعب القول إنها حاسمة، ولكنها بالتأكيد ستكون ساخنة، لان أطراف هذه اللقاءات سيحاولون إيجاد تسويات ترضي الجميع و تلعب دورا في تهدئة الكرملين. هذا الوضع يطرح عدة أسئلة هامة:. . ما هي أسباب قلق روسيا، خاصة أن الولايات المتحدة تؤكد أن منظومة الصواريخ التي تنوي نشرها موجهة ضد المخاطر القادمة من الشرق الأقصى والأوسط؟. . كيف يمكن أن تواجه موسكو هذا المخطط الذي ينذر بتعرض مواقعها الاستراتيجية للتهديد المباشر؟

ولعل ابلغ رد على السؤال الأول هو ما جاء في تصريحات الجنرال بالويفسكي رئيس هيئة الأركان الروسية، والذي كشف عن أنه حتى يتحقق وجود خطر يهدد الولايات المتحدة فعليا يستوجب نشر هذه المنظومة، يجب أن تمتلك البلدان التي تتحدث الإدارة الأميركية عنها صواريخ عابرة للقارات يزيد مداها على 10 آلاف كيلومتر، وهو أمر مستحيل، وفى اضعف الأحوال هو غير محقق حاليا، إضافة إلى انه حتى لو توفرت الرغبة عند حكومات هذه الدول في تطوير تقنياتها الصاروخية فإنها ستواجه عقبات تتمثل في الإمكانيات هذه الدول الفعلية.

وأفاد اللواء يفغيني بوجينسكي رئيس الدائرة الدولية القانونية في وزارة الدفاع الروسية انه إذا افترضنا أنه تتوفر لدى إيران القدرة على تصنيع صواريخ يصل أقصى مدى لها إلى 5,3 آلاف كيلومتر، فإن هذه الصواريخ المتوسطة المدى يمكن تدميرها بالوسائل التي تتوافر في الوقت الحاضر في أوروبا. وأضاف المسؤول في وزارة الدفاع الروسية أنه ليس لسيناريوهات استخدام مواقع الدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا ضد الأخطار المحتملة من جانب كوريا الشمالية أي أساس من الصحة.

كما أشار بوجينسكي إلى أن قلق الولايات المتحدة من إمكانية تسليم التقنيات الصاروخية الحديثة إلى هذه البلدان غير مبرر لأن أنظمة الرقابة الدولية على التقنيات الصاروخية تعمل بفعالية كبيرة. واعتبر أن خطة واشنطن تستهدف حصار الصين وروسيا، وحماية الولايات المتحدة من قدراتهما الصاروخية والنووية. وهذا يقود إلى السؤال الثاني.. كيف يمكن أن تواجه موسكو هذا المخطط الذي ينذر بتعرض مواقعها الاستراتيجية للتهديد المباشر؟

مما لاشك فيه أن محاولات روسيا لمنع نشر منظومة الصواريخ لن تحقق أي نجاح، باعتبار أن هذا القرار قد اتخذ بالفعل من جانب الإدارة الأميركية، وقد تمت الموافقة عليه من الأطراف المعنية، أي من حكومات الدول التي سيتم نشر عناصر هذه المنظومة على أراضيها، ومن الصعب الحديث عن أن اعتراضات موسكو يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار من حكومات بولندا أو تشيكيا.

إلا أن تنامي النفوذ الروسي في أوروبا، وحجم التعاون بين موسكو وأوروبا القديمة قد يكون له تأثير على مواقف دول أوروبية أساسية مثل فرنسا أو ألمانيا أو ايطاليا، والتي تحرص على بناء صلات وثيقة وقوية مع روسيا، ولابد من اخذ بعين الاعتبار أن هذه الدول بما لها من ثقل و نفوذ في القارة الأوروبية قد تتمكن من لجم هذا المشروع. ومع ذلك لابد من الاعتراف أن هذا التوجه ليس مضمونا وليس كافيا للحد من مخاطر المنظومة الصاروخية الأميركية على الأمن القومي الروسي.

ما يمكن أن يكون مؤثرا بل ويدفع هذه الدول إلى التراجع عن موقفها، هو ما كشفت عنه بعض القيادات العسكرية الروسية حول توصل علماء المجمع الصناعي ـ العسكري الروسي لنموذج حديثة ومتطورة من منظومات الدفاع المضاد للصواريخ، قادرة على شل المنظومات الصاروخية الأميركية. إن نجاح الأبحاث العسكرية الروسية سيحقق صحة تصريحات بالويفسكي التي اعتبر فيها أن المنظومة الأميركية لن تؤثر على القوات الاستراتيجية الروسية، ناهيك عن أن منظومة صواريخ الباك 3 ـ الأميركية التي تنوي واشنطن نشرها في أوروبا الشرقية، قد كشفت العمليات العسكرية في العراق ضعف فاعليتها، خاصة عندما دمرت طائرات التحالف الصديقة، بدلا من إصابة الأهداف التي تشكل خطرا على مواقع القوات الأميركية.

وبالرغم من أن الحل يكمن في أن تسعى موسكو إلى الحفاظ على التوازن العسكري لتحقيق معادلة الردع المتبادل، والتي عمليا ستوفر لها القدرة على لجم مساعي واشنطن، إلا أن هذا يعني بداية جديدة لسباق التسلح، وفى هذه المرة تحاول واشنطن جر موسكو لهذا السباق. ليس فقط لأنهاك الاقتصاد الروسي مرة أخرى، وأنما لحل أزماتها الاقتصادية الداخلية عبر تنشيط الصناعات العسكرية والنفطية، من أجل خفض معدلات البطالة و زيادة الأجور، وبالتالي تقليص حالة الكساد التي فرضت على واشنطن الحفاظ على انخفاض أسعار الدولار في سلة العملات، لزيادة تسويق المنتجات الأميركية في الأسواق العالمية.

ولابد من الأخذ بعين الاعتبار ما أشار له سيرغي روغوف مدير معهد الولايات المتحدة وكندا حول أن إنشاء المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ يشكل خطرا فعليا يهدد ببدء سباق تسلح جديد. باعتبار أن معاهدة الأسلحة الهجومية الإستراتيجية (سالت ـ 1) سينتهي مفعولها خلال عامين، كما أن «سالت ـ 2» قد انتهت قبل أن يسري مفعولها. وبعد ست سنوات ستنتهي معاهدة القدرات الهجومية الإستراتيجية. مما يعنى ولأول مرة منذ 40 عاما انه لن تربط روسيا والولايات المتحدة أي اتفاقيات في مجال الحد من الأسلحة الإستراتيجية . وهو يعنى اللعب دون قواعد، ويتوقع الخبراء أن يحمل سباق التسلح الجديد طابعا متعدد الأوجه، حيث ستنضم إلى هذا السباق بلدان أخرى منها الصين.

خبيرة في الطاقة ـ روسياخبيرة في الطاقة ـ روسيا