بعد بضع زيارات متقاربة جداً، قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية للمنطقة منذ بدايات هذا العام، وبدا وكأنها تفتتح عهداً جديداً من العمل على خط الانتقال من إدارة أزمة الشرق الأوسط إلى حلها كما توقع المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، تمخضت المحاولات الأميركية عن خطة أمنية قدمتها للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يوم الجمعة الموافق الرابع من مايو الجاري.

الخطة التي قدمها لإدارته المنسق الأمني الأميركي في الأراضي المحتلة الجنرال كيت داوتون، تقوم على معادلة الأمن للإسرائيليين مقابل حرية الحركة للفلسطينيين، وتتضمن خطوات محدودة مطلوبة من كل طرف وفق جداول زمنية محددة، يتم تنفيذها خلال ثلاثة أشهر، وتعتقد الإدارة الأميركية أنها تساعد في إعادة بناء الثقة بين الطرفين.

في مضمونها الخطة الأمنية تطلب من الجانب الإسرائيلي تنفيذ بنود اتفاقية سابقة جرى الاتفاق عليها في شهر نوفمبر 2005، بوساطة مباشرة قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وتتصل بإجراءات لتأمين وتحسين الحركة التجارية وحركة الأفراد للفلسطينيين على المعابر الحدودية، وجاءت في حينه تلبيةً لاستحقاقات ما بعد الخروج الإسرائيلي من قطاع غزة الذي تم في الثاني عشر من سبتمبر من ذلك العام.

من الجانب الفلسطيني تطلب الخطة جملة من الإجراءات، من بينها الوقف التام لإطلاق الصواريخ من قطاع غزة على البلدات الإسرائيلية، وتعزيز دور حرس الرئاسة الفلسطينية في مراقبة الحدود، ومنع التهريب وإغلاق الأنفاق، ومواجهة ما يسمى بالإرهاب الفلسطيني. المعادلة التي تنطوي عليها الخطة بحد ذاتها، تتضمن مكافأة إسرائيل على عدم التزامها بتنفيذ اتفاقية المعابر، وتعاقب الفلسطينيين بدفع ثمن إضافي جديد علاوة على الثمن الذي دفعوه عند إقرار اتفاقية المعابر، الأمر الذي يعكس اختلالاً واضحاً في معادلة التدخل الأميركي في الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، وبما يكرس مبدأ مكافأة المعتدي ومعاقبة الضحية تماماً كما هو الحال بالنسبة للحصار الذي تصر الولايات المتحدة على متابعة فرضه على الأراضي الفلسطينية.

وفي الواقع فإن الإدارة الأميركية تعلم يقين العلم أن خطتها الأمنية الجديدة، لا يمكن أن تحظى بالقبول الأولي ولا نتحدث عن النجاح، فلماذا تطرح خطة تولد مشلولة؟ التفسير المنطقي يقودنا إلى فهم جوهر أهداف الحركة السياسية الكثيفة التي قامت بها رايس منذ بداية العام، ونعتقد أن تلك الأهداف باتت مكشوفة ولكن بدون أن يؤدي انكشافها إلى وقف ظاهرة الاستغباء والاستغفال التي تمارسها الولايات المتحدة إزاء دول وشعوب المنطقة. فلقد أرادت الإدارة الأميركية التظاهر أمام العرب الراغبين في دور أكبر وأكثر جدية تقوم به الولايات المتحدة نحو دفع عملية السلام في الشرق الأوسط، بأنها قد استجابت للرغبة العربية بدليل الساعات الطويلة التي تقضيها وزيرة خارجيتها في المنطقة.

والأساس أن إدارة بوش لم تبدل قناعتها بأولوية الملف العراقي، وبحاجتها لشراء تأييد ودعم الأنظمة العربية لسياستها في العراق، ولكن بدون أن تدفع للعرب ثمناً حقيقياً مقابل مساعدتهم لها في العراق. فالإدارة الأميركية لا تملك أية مبادره، أو رؤية لمعالجة ملف سلام الشرق الأوسط، سوى تكرار الحديث عن رؤية الدولتين للرئيس بوش، والتي أعلنت رايس خلال زيارة سابقة لها للمنطقة، أن تلك الرؤية قد لا تتحقق خلال ما تبقى من عمر إدارتها.

عدا عن ذلك، فإن الإدارة تتحدث بلهجة مترددة بين الحين والآخر عن خارطة الطريق التي قضى على إعلانها نحو أربع سنوات دون أن تتحرك قيد أنملة، بالإضافة إلى أن الواقع المعين على الأرض، والأحداث التي جرت قد تجاوزتها، بحيث أصبحت فاقدة الصلاحية.

ليس هذا وحسب، بل إن إدارة بوش تدرك أن الحكومة الموجودة في إسرائيل منذ الانتخابات التي جرت في الربع الأول من العام الماضي، لا تملك الحد الأدنى من الإرادة أو القدرة على حمل عبء ثقيل كموضوع ملف السلام، وقد ازدادت قناعة الإسرائيليين قبل غيرهم إزاء عجز حكومة أولمرت بعد ما مرت به من حروب فاشلة أدت إلى تدهور شعبيتها، بالإضافة إلى ملاحقة أهم رموز الحكومة بما في ذلك رئيسها بتهم الفساد الإداري والأخلاقي والمالي.

إذاً فإن الإدارة الأميركية ترغب من خلال خطتها الامنية الجديدة، في التهرب من مسؤوليتها إزاء بذل جهد حقيقي لدفع عملية السلام، بدعوى أن الاطراف الأمنية ذاتها لا تتمتع بأهلية الاستجابة لجهود التسوية. والأكيد أن الإدارة الأميركية ستجد لإسرائيل عذراً، على خلفية صعوبة ظروفها الداخلية إثر تقديم فينوغراد النتائج الجزئية عن تحقيقات لجنته بشأن أداء حكومة أولمرت خلال الحرب على لبنان في الثاني عشر من يوليو الماضي، ولكن تلك الإدارة، لن تجد للفلسطينيين عذراً، بل ربما كان موقفهم مبرراً لمواصلة فرض الحصار عليهم.

ردود الفعل الأولية، التي عبرت عن تحفظ الجانب الإسرائيلي على بعض أهم بنود الخطة، وعن رفض الحكومة الفلسطينية والفصائل رغم تأييد الرئيس محمود عباس للخطة الأميركية، شكلت ربما أحد المبررات، لإعلان كوندوليزا رايس تأجيل زيارتها المقررة للمنطقة قبل نهاية هذا الشهر إلى أجل غير مسمى، وهو أمر يظهر جدية الإدارة الأميركية في التعامل مع خطة هي تقدمها.

في مطلق الأحوال فإن الخطة الأمنية الأميركية تنطوي على مخاطر عديدة، لا يمكن للعقل الساذج أن يدرك أبعادها، فالخطة تختزل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية مرة، وأمنية مرة أخرى، خصوصاً وأنها تطرح معزولة عن أي أفق سياسي لإعادة إحياء المفاوضات والعملية السلمية، بعد أن رفض أولمرت وحكومته دعوة الرئيس عباس للذهاب فوراً إلى مفاوضات الحل الدائم، ليس هذا وحسب بل إن إسرائيل ترفض المبادرة العربية، وترفض أي مبادرة أخرى يمكن أن تخرج عن إطار وآلية المفاوضات الثنائية المحكومة بسقف قضايا إجرائية أمنية وإنسانية.

والخطة الأميركية تكرس المنطق الإسرائيلي الدائم الذي يطرح معادلة جديدة لمعالجة الصراع حيث الأمن لإسرائيل أولاً، مقابل تحسينات في حياة الفلسطينيين وبعيداً عن معادلة الأرض مقابل السلام، وفي هذه المرة تطلب الخطة من الفلسطينيين أن يدفعوا أكثر من مرة ثمن ما يقدم لهم لمرة واحدة، وبدون ضمانة الالتزام الإسرائيلي.

وهذه الخطة تثير المزيد من الانقسام في الساحة الفلسطينية، بين موافق ومعارض فضلاً عن أنها تزرع المزيد من الشكوك بين الأطراف الفلسطينية التي وقعت اتفاقية مكة وشكلت بموجبها حكومة الوحدة الوطنية، حيث إن الخطة تتحدث عن دعم الرئيس والأجهزة الأمنية التي تقع تحت مسؤوليته، في مجابهة الفصائل والأجهزة التي يفترض أنها تتبع الحكومة عبر وزارة الداخلية.

الخطة ستذهب في طريقها، لتأخذ رقماً في أرشيف المبادرات التي يحتويها أرشيف المحاولات غير الجادة لمعالجة الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، لتفسح المجال فقط للصراع والمزيد من دورات العنف التي تنتظر جولة جديدة، ايهود أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس بقرب اندلاعها.

كاتب فلسطيني