يحاول الجيش التركي أن ينصّب نفسه ليس نصيراً للعلمانية فقط بل وكيلها وحارسها والمدافع عنها، ويستمر بالتأكيد على أنه لولاه لذهبت العلمانية في تركيا أدراج الرياح وذابت وتفتت وقضي عليها، ويمارس سطوته وقدرته من خلال مجلس الأمن القومي التركي الذي يضم إلى القادة العسكريين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبعض الوزراء والمسؤولين الآخرين، وهو الذي يحكم تركيا فعلاً منذ عشرينات القرن الماضي عندما ألغيت السلطنة العثمانية ثم فرض مصطفى كمال أتاتورك على البلاد القيم والتقاليد الأوروبية فرضاً مباشراً ودون مقدمات،

ابتداء من شكليات هذه القيم كتغيير الطربوش، و(الشروال) وارتداء (البرنيطة والبنطلون) وانتهاء بتبني العلمانية نهجاً لنظام الحكم في تركيا إضافة لتغيير اسم الدولة في ذلك الوقت وتحويلها من امبراطورية إلى دولة عادية منكفئة على حدودها التي تضم العنصر الطوراني وبعض القوميات الأخرى، وإدارة الظهر للدول العربية والدول الإسلامية أي للفضاءين العربي والإسلامي اللذين شكلا طوال أربعة قرون مجالاً حيوياً لتركيا تحت مسمى الإمبراطورية العثمانية، وإن شئت (الخلافة العثمانية الإسلامية).

وهكذا قطع كمال أتاتورك العلاقات العثمانية مع دول آسيا ووجه تركيا نحو الغرب أملاً أن تصبح جزءاً من أوروبا، وحرمها منذ ذلك الوقت من مجالها الحيوي العربي والإسلامي وألبسها قناعاً جديداً أو برقعاً جديداً. ولاشك أن مدى فائدة أو ضرر هذه الإجراءات لتركيا أمر إشكالي يرى فيه بعض الأتراك خيراً كل الخير لأنه يقربهم من الحضارة الأوروبية ويقطع مع ماضيهم المتخلف، وينقل دولتهم من دائرة الدول المتخلفة إلى دائرة الدول المتطورة، بينما يرى فيه آخرون شراً كل الشر لأنه جبّ تركيا عن وسطها الطبيعي وحرمها من مداها الحيوي ووضع تقاليدها وعاداتها وقيمها الفكرية والأخلاقية قسراً في مناخ آخر وظروف أخرى، بحيث أضاعت تركيا ثقافتها وقيمها التي تكونت تاريخياً وكونت معها ثقافة الشعب التركي ولم تستطع في الوقت نفسه أن تكتسب الثقافة الأوروبية وتنصهر فيها وتتأقلم معها، وهكذا فقد نسيت مشيتها ولم تتعلم مشية جديدة.

على أية حال يزعم العسكر التركي أنه نصير للعلمانية وحاميها وأنه لولاه لتلاشت هذه العلمانية في تركيا وذهبت ريحها، فما مدى جدية هذه المزاعم؟. إن العلمانية على خلاف كثير من التعريفات السائدة هي أمر يرتبط بالموقف من الدولة والمواطنة وبتعبير أدق هي التي تؤمن أن المواطنة هي المرجعية الوحيدة التي يعيش الناس في إطارها، وبالتالي فإن الدولة هي دولة مواطنين أحرار متساويين، مرجعيتهم الوحيدة المتعلقة بالدولة هي المواطنة وفي ضوء ذلك فالنظام السياسي هو الذي يختاره الناس المواطنون الأفراد المتساوون،

ولا علاقة للدولة بإيمان الناس من عدمه، ولا تعترف بأية مرجعية تريد أن تفرض نفسها على شكل الدولة إلا إذا ارتضاها المواطنون، لأن ذلك من حقهم فقط، وفي ضوء ذلك فمثلما تؤمن العلمانية بفصل الدين عن مجريات الدولة باعتبار هذه من صنع البشر وتخضع لإراداتهم، لا تدعي ولا تنادي بفصل الدين عن الحياة بل على العكس من ذلك تحمي حقوق الناس في معتقداتهم وتدافع عن هذه الحماية وتساعدهم على صيانتها، وفي كل الحالات فما دامت العلمانية تؤمن بمرجعية المواطنة كمرجعية وحيدة وبمواطنين أحرار متساوين يقررون شكل دولتهم وشكل نظام حكمهم وأساليبه، فهي إذن مرتبطة بالديمقراطية ارتباطاً لا ينفصم ومن يدعي العلمانية عليه أن يناضل بدون هوادة لتطبيق الديمقراطية، وإلا فما هو إلا مدّع.

تبنى الجيش التركي العلمانية دون أن يتبنى شقيقتها ووليدتها وشريكتها الديمقراطية، وحوّل العلمانية بذلك إلى استبداد وموقف معاد للدين من جهة ولتقاليد الأمة وتراثها وقيمها من جهة أخرى، فسلخ العلمانية عن محيطها ووضع المجتمع والدولة في آلية حكم استبدادي باسم العلمانية، وهكذا نفذ الجيش التركي أربعة انقلابات عسكرية باسم العلمانية وبعضها أدى إلى إعدام سياسيين أتراك (مثل عدنان مندريس رئيس الوزراء السابق)، ومن البديهي أن الطلاق بائن بين العلمانية والانقلابات فما الانقلابات إلا إلغاء لمواطنة المواطنين وحكمهم قسراً واستبداداً وهذه حالها دائماً. ولم تلتق الانقلابات مع العلمانية ولا في أي جانب من جوانبهما ولا في أية مرحلة تاريخية.

إن التغيرات الهامة التي شهدها عالمنا بعد انتهاء الحرب الباردة طالت تركيا كما طالت غيرها واضطرت الجيش التركي أن يكف يده عن الانقلابات العسكرية التي مارسها وعشقها، واضطر أمام مزاعمه العلمانية أن يتراجع قليلا ولو (ظاهرياً) عن أساليبه السابقة، فوافق على إعادة النظر بالأساليب الديمقراطية في تركيا، واحترام صندوق الانتخاب والتعددية وكف الظلم جزئياً عن الأقليات القومية في تركيا وعدم التشبث بالفكرة الطورانية المتهالكة، والتراجع عن الإصرار على فصل الدين عن الحياة لتعذر ذلك، والقبول جزئياً بالشروط الأوروبية لدخول النعيم الأوروبي،

ولكن ما إن أصبح حزب العدالة قاب قوسين أو أدنى من استلام مفاتيح السلطة كلها، حتى تراجع الجيش عن العلمانية فعلياً وجوهرياً وهدد بالانقلابات، وعن الديمقراطية شقيقة العلمانية التوأم وهدد بعودة الاستبداد وهو بذلك إنما أساء للعلمانية التي يتشدق بها ولمصالح الشعب التركي وللديمقراطية التي تقف تركيا على أبوابها، وذلك كله باسم حماية العلمانية. فمن هو الذي يشكل خطراً على العلمانية هل هو حزب العدالة والتنمية وأردوغان وغول أم هو الجيش التركي الذي يذكرنا ليل نهار بأنه حارس العلمانية الأمين.

لقد كشفت أحداث تركيا الأخيرة وخاصة استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية زيف التشدق بالعلمانية أو عدم فهمها أو استغلالها لمآرب أخرى من قبل الجيش التركي، وأكدت أن الديمقراطية هي توأم العلمانية ولا تصح الثانية بدون الأولى، وإلا تحولت إلى تشدق ومزاعم وإساءة للعلمانية نفسها. إن مسيرة ثمانين عاماً من تاريخ تركيا هي قيد الامتحان وستبين الأشهر المقبلة مدى صدق الجيش التركي بادعاء العلمانية ومدى فهمه لها هو وشريحة كبرى من أبناء الشعب التركي.

كاتب سوري