الحرب تكلف الكثير، فمن تكاليفها أرواح الشباب من الرجال والنساء الذين يُرسلون إلى ساحة المعركة. وتخسر عائلاتهم، وأحباؤهم، ومجتمعاتهم وأمتهم إمكانات بعض من أفضل مواطنيها الشباب. وبالنسبة للحرب على العراق، فقد تجاوز إجمالي عدد القتلى 3300 قتيل والجرحى 25 ألف جريح تقريباً، مع عشرات الألوف غيرهم ممن تأثروا نفسياً، بصورة دائمة في الغالب، من جراء ما شاهدوه من فظائع.
الحرب تكلف الكثير. فهي تبدد المليارات على الدمار والتي كان يمكن أن تخصص للإعمار. تشير أفضل التقديرات إلى أن الحرب على العراق، التي بددت بالفعل حوالي 425 مليار دولار، سينتهي بها الأمر إلى أن تصل تكاليفها إلى حوالي تريليوني دولار إذا تم حساب تكلفة توفير العناية الصحية للجنود، ونفقات الإعاقة، واستبدال الأسلحة وإعادة بناء الجيش.
المبلغ هو تريليونان، وهو دين متروك لأطفالنا بصورة كبيرة، ولن يكون متاحاً لنقل أميركا إلى الاستقلال في مجال الطاقة، إعادة إعمار المدن الأميركية، ضمان أن كل طفل له بداية جيدة، وجعل مدارسنا هي الأفضل في العالم، وجعل الدراسة في الجامعات في متناول الجميع، وإصلاح بنيتنا التحتية المنهارة في كل شيء بدءاً من الصرف الصحي، عبوراً بالاتصالات ووصولا إلى الأنفاق. إننا نواجه عجزاً مذهلاً في الاستثمار في الداخل الذي يتحدث عنه القليلون لأننا نواجه عجزا كبيرا بالفعل، وسيتم قياس تلك التكلفة في اقتصاد أقل تنافسية بأطفال أقل تلقوا تعليماً جيداً، مزيد من الظلم والفقر ومزيد من العنف ومن اليأس يشق طريقه إلى الداخل.
الحرب تكلف الكثير. وأحد أعظم تكاليفها تم إظهاره في النقاشات الرئاسية الأخيرة. والحرب تستحوذ على اهتمامنا كله. كل يوم تُملأ الصحف بتقارير من الجبهة. ويركز الرئيس ومجلسا النواب والشيوخ انتباههم على الحرب. ويكرس المرشحون الرئاسيون مناقشاتهم وأغلب أوقاتهم للحرب. أما الأميركيون المنهمكون في العمل فيخصصون جزءاً كبيراً من وقتهم للتحدث عن المخاوف الوطنية من الحرب. هناك أمور أخرى تسقط من برنامج العمل. فعندما ثار إعصار كاترينا وكشف عار الفقر الأميركي، أقسمنا أننا لن ننسى أبداً.
وسافر الرئيس بعد فوات الأوان إلى نيو أورليانز، وعقد مؤتمراً صحافياً مثيراً، ليلتزم بإعادة إعمار نيو أورليانز والخليج وبالتحدي الأوسع للفقر في أميركا. كان ذلك آنذاك. أما الآن، فالكهرباء لا تزال مقطوعة عن العديد من أحياء نيو أورليانز. والألوف لا يزالون مشتتين في أنحاء أميركا، ولم يتم إحراز تقدم فيما يخص إعادة إعمار منازلهم. والفشل الذريع في الإنقاذ أثناء إعصار كاترينا جُعل أسوأ من قبل الفشل الذي لا يغتفر في إعادة الإعمار بعده.
في خطابه عن حالة الاتحاد، لم يذكر الرئيس الأميركي شيئاً عن الإعصار. ولم تُطرح أي أسئلة عنه في النقاشات الديمقراطية والجمهورية الأولى. وحظي كل من الفقر، وركود الدخول، والعائلات الغارقة في الديون، وعدم التمكن من دفع رسوم الرعاية الصحية والجامعات على ذكر عابر في أفضل الحالات في أي نقاش.
علام تركزت بؤرة النقاشات؟ العراق، بالطبع، و«الحرب على الإرهاب». لم تبدد الحرب حياة الأميركيين وأموالهم فحسب، وإنما استنفدت انتباهنا بصورة مفهومة. وبقيامها بذلك، فإنها تعمي أبصارنا عن التحديات التي تلوح في الأفق والتي نواجهها في الداخل. نحن نعرف عن بغداد أكثر مما نعرفه عن نيو أورليانز، أو أي من مدننا الأخرى.
عارض دكتور مارتن لوثر كينغ حرب فيتنام في أحد الجوانب لأنه رأى أنه في حين تصاعدت الحرب، تم التخلي عن الحرب على الفقر. ومن دون نقاش، وحذر كينغ بقوله: «أي أمة تواصل عاماً بعد آخر إنفاق الأموال على الدفاع العسكري أكثر من الإنفاق على برامج الرقي الاجتماعي تقترب من الموت الروحي».
إن الحرب، وحتى الحرب الفاشلة، تقتات بنفسها. والعنف الذي تولده يعزز الكراهية والانتقام والمزيد من العنف. الحرب على العراق، حسبما تذكر أجهزة استخباراتنا، كانت أفضل أداة تجنيد للقاعدة على امتداد العالم. إن الالتزام بالمؤسسة العسكرية يولد المطالبة بمزيد من جموع العسكريين. ونحن ننفق على الجيش ما يعادل إنفاق العالم مجتمعاً. ويستهلك البنتاغون الآن أكثر من نصف الميزانية الأميركية، التي يخصصها الكونغرس كل عام، والمقدرة بحوالي 3700 دولار لكل أسرة سنوياً. غير أن كل مرشح كبير في كلا الحزبين متعهد لإنفاق المزيد على المؤسسة العسكرية، ولتوسيع نطاقها، وإعطاء حصة أكبر للذهاب إلى أماكن أخرى والقيام بأمور كثيرة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ـ خاص ل«البيان»