استلمت الحكومة العراقية رسالة واضحة من مؤتمري شرم الشيخ «العهد الدولي» و« دول الجوار» اللذين عقدا في الثالث والرابع من مايو الجاري، مفادها أن الأسرة الدولية، المجاورة للعراق أو البعيدة عنه، مستعدة دائماً لدعمه بشرط أن يوفر البيئة والظرف المناسبين لهذا الدعم. فقد رسمت الدول الخمسون التي التقى ممثلوها خلال هذين اليومين سيناريو لانتشال العراق مما هو فيه وإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوعه.

إن توصيات المؤتمَرين لا تشكل في الحقيقة حلولاً جدية للمشكلة العراقية فقد خلت من تعهدات والتزامات واضحة واقتصرت على توصيات عامة سبق أن وردت في البيانات الختامية لمؤتمرات عُقدت في الماضي منذ مؤتمر مدريد عام 2003، إلا أن حكومات العراق المتعاقبة منذ ذلك التأريخ وقفت مترددة إزاءها و عاجزة عن تنفيذ التزاماتها نحوها، وظل «العهد الدولي» مجرد التزامات على ورق.

كما أن هذه التوصيات لم تتطرق إلى آليات التنفيذ، كنشر قوات دولية لمراقبة الحدود وإيقاف تسلل العناصر الإرهابية، ولم تتضمن إشارة إلى الديون التي تثقل كاهل العراق فإن ما أشيع عن إطفاء ديون بمقدار ثلاثين مليار دولار هو في الحقيقة أمر مشكوك فيه طالما لم ترد تعهدات واضحة بشأن ذلك.

تباينت ردود أفعال الأحزاب والكتل البرلمانية العراقية إزاء التوصيات التي صدرت عن شرم الشيخ، فاعتبرتها كتلة الائتلاف نجاحاً كبيراً يدعم حكومة المالكي، في حين ترى جبهة التوافق بأنها ألزمت العراق بتنفيذ بنود من الصعب تحقيقها،

ولم يخف آخرون شعورهم بخيبة الأمل فاعتبروا ما جرى في شرم الشيخ لا يتعدى مهرجاناً خطابياً لا يُلزم أحداً بمضمونه. فالبيانان الختاميان لا يخفيان بأن الوعود بالدعم مشروطة بالتزام الحكومة العراقية بتنفيذ البنود الواردة فيها وقيامها بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.

تميزت الأجواء المحلية والإقليمية والدولية التي عقد فيها هذان المؤتمران بالتوترات الشديدة، فرغم أن الملف العراقي هو الأكثر سخونة في المنطقة إلا أن هنالك ملفات أخرى ساخنة تقلق واشنطن وتقلق عواصم دول عديدة في المنطقة. ورغم أن هذين المؤتمرين قد عُقدا بمبادرة من العراق والأمم المتحدة،

إلا أن ما لا يخفى على أحد، في ظل الأوضاع السائدة في منطقة الشرق الأوسط، بأن الإدارة الأميركية هي صاحبة المصلحة الأولى في عقدهما، لأنها بحاجة إلى مباركة دولية لسياساتها في هذه المنطقة للخروج من الوحل العراقي من جهة ولإيقاف التداعي الذي تشهده في الداخل الأميركي الغاضب عليها من جهة أخرى،

فالخطة الأمنية التي تُنفذ باشتراك القوات الأميركية والعراقية منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر لم تسهم، سوى جزئياً، في تحسين الوضع الأمني، فقد عاد الإرهابيون لممارسة طقوسهم في إعداد حفلات الموت الجماعي، وعادت جثث الضحايا المغدورين إلى الظهور مع عودة فرق الموت لممارسة نشاطاتها.

فهل سينجح هذان المؤتمران في توسيع فسحة الأمل أمام العراقيين؟ وهل سينجحان في تصويب أخطاء السياسة الأميركية في المنطقة؟ وهل سينقذان المشروع الأميركي في الشرق الأوسط من هزيمة محققة ؟، وهل سيعيدان بعض الاعتبار لما فقدته الولايات المتحدة من رصيد أخلاقي لا يمكن أن تتخلى عنه دولة عظمى تسعى لقيادة العالم في القرن الحادي والعشرين؟ إن أبرز ما يميز لقاءات شرم الشيخ هو:

1 - رغبة شديدة لدى أطراف عدة لتفادي الفشل الذي بدأت ظلاله تخيم على أجواء المنطقة الخضراء في بغداد وعلى الأجواء السائدة في البيت الأبيض في واشنطن، فالحصاد المر للسنوات الأربع الماضية لا يشجع على الاستمرار في انتهاج السياسة ذاتها التي اتبعت حتى الآن في العراق، فلا بد من مخرج سياسي من الوحل الذي علقت به الولايات المتحدة.

2 - تدويل الملف العراقي على أصعدة متعددة: أمنية وعسكرية واقتصادية وسياسية وتسليم جزء من محتوياته لآخرين للعناية بها، إلا أن صفحاته الأساسية لم تفلت من القبضة الأميركية بعد.

3 - تضمنت التوصيات نقاطاً جوهرية كمدخل لتحقيق السلم في العراق أبرزها: حل الميليشيات بكافة أنواعها ونزع سلاحها وإخضاعها للقانون، إنهاء العنف الطائفي، مراجعة الدستور والتشريعات الأخرى التي تعيق المصالحة الوطنية، خاصة قانون اجتثاث البعث، على النحو الذي يعزز الوحدة الوطنية.

إلا أن أمام كل من هذه المطالب تكمن مقاومة شديدة، فتعديل الدستور وخاصة ما ورد بخصوص الفيدرالية يصطدم بمعارضة فرقاء أقوياء في المجلس النيابي وهم التحالف الكردستاني وأحد الفصائل المهمة في كتلة الائتلاف العراقي الموحد، وهو المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الأشد حماساً لبرنامج فيدرالية الأقاليم.

أما قانون اجتثاث البعث فقد طرحت الحكومة تشريعاً بديلاً عنه يخفف من وطأته وذلك عن طريق سن قانون جديد تحت مسمى «المساءلة والمصالحة والعدالة» لينقل التعامل مع حزب البعث من أطر التحريم السياسي لنشاط هذا الحزب إلى أطر المساءلة القانونية لعناصره التي ارتكبت ما يستوجب المساءلة.

وقد اصطدم هذا القانون الجديد بمعارضة جهات متنفذة في الشارع العراقي أبرزها التيار الصدري وبعض المرجعيات الدينية، إلا ان ما هو مهم هو ما يرتأيه مجلس النواب المنتخب والذي يعتبر وفق الدستور مصدر السلطات في العراق.

4 - أكد البيانان الختاميان اللذان صدرا عن شرم الشيخ على أن تحقيق التوصيات التي وردت فيهما يقع على عاتق الحكومة العراقية حصراً، وإن المجتمعين يمدون يد العون ويعبرون عن استعدادهم للمساعدة في ذلك.

تحتاج توصيات شرم الشيخ إلى حكومة قوية في العراق لتنفيذها، وهذا ما ليس متوافراً، فحكومة المالكي حكومة بنيت منذ البداية على أسس ضعيفة، فهي حكومة توافق ليس إلا، تشكو بالدرجة الرئيسية من فقدان الانسجام بين أعضائها بسبب اعتماد مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية في توزيع الحقائب الوزارية وليس مبدأ الكفاءة.

وقد تعرضت هذه الحكومة مؤخراً إلى هزات عديدة زادت من ضعفها، فقد انسحب حزب الفضيلة من كتلة الائتلاف العراقي الموحد، الكتلة الأكبر في المجلس النيابي التي يستمد المالكي منها قوته، وسحب التيار الصدري وزراءه من الحكومة، وهو التيار الذي صعد المالكي بأصواته إلى رئاسة الوزارة أمام مرشح المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عادل عبد المهدي.

وتواجه حكومة المالكي تحديات من القائمة العراقية التي توشك على الانسحاب من الوزارة منتظرة الإجابة عن تساؤلات طرحتها على الحكومة، وتسلط كتلة التوافق هي الأخرى ضغوطات شديدة عليها مهددة بالانسحاب منها.

وفي سياق هذه الأحداث تسود أجواء غير متفائلة بما ستأتي به الأيام المقبلة عكستها القيادة العسكرية الأميركية في بغداد، فقد توقع الجنرال ريك لينش قائد القوات الأميركية في وسط العراق تصاعد القتال ووقوع مزيد من القتلى مع تحرك القوات الأميركية والعراقية في الأيام القادمة،

وأشار في معرض حديثه عن ذلك: «مع تزايد عديد قواتنا، نجد أن العدو يزداد عدداً كذلك». هذا في الوقت الذي تشهد فيه العاصمة بغداد تقطيعاً لأوصالها بجدران إسمنتية كالحة لم يستطع منظرها البشع إخفاء الحقيقة الأكثر بشاعة التي تكمن وراء تشييدها، وهي ترسيخ العزل الطائفي جغرافياً.

محطتان توقف فيهما قطار التدويل للملف العراقي حتى الآن، بغداد وشرم الشيخ، المحطة القادمة ستكون إسطنبول في موعد لم يحدد بعد، وحتى ساعة التوقف عندها ستمر أيام عصيبة أخرى في العراق تزيد من عمق أخاديد الشيخوخة المبكرة التي ارتسمت على ملامح بلد اعتاد على البقاء، عبر تأريخه، في عنفوان الشباب، مُستمداً من ثراء تأريخه ومن وفرة موارده الطبيعية والبشرية إكسيراً لحياة.... سوف تبقى... بإرادة أبنائه بالدرجة الأولى.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae