في زمن الاتحاد السوفييتي لم يكن من السهل على الأساطيل الأميركية ولا أساطيل حلف شمال الأطلسي الاقتراب من مياه البحر الأسود، على الرغم من وجود دولة مثل تركيا على هذا البحر وهي عضو في حلف الناتو،إلا أن المعسكر الغربي كان دائما يتحاشى الصدام مع المعسكر الشرقي في هذا البحر بالتحديد

نظرا لأن معظم شواطئ هذا البحر كانت تابعة للاتحاد السوفييتي ولدول من المعسكر الشيوعي، وكانت المرة الأولى والوحيدة التي دخلت فيها سفينة حربية أميركية البحر الأسود في زمن الاتحاد السوفييتي في صيف عام 1983.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي سعت واشنطن وبروكسل، حيث مقر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى تكثيف حضورهما العسكري البحري قرب حدود روسيا الجديدة. فقد دخلت 9 سفن حربية أطلسية إلى البحر الأسود في عام 1991. والآن يتواجد أكثر من 20 سفينة حربية كبيرة أطلسية في البحر الأسود بصفة مستمرة.

وأيا كانت آفاق التعاون الروسي - الأطلسي فإن توسع حلف الناتو شرقاً لا يزال يقلق موسكو. ولم يعد كل من حلف شمال الأطلسي وروسيا ينظر إلى الآخر على أنه عدو، ولكن التنافس بينهما يظل قائما علما بأن حلبة المنافسة أصبحت تشمل أراضي اعتادت موسكو ان تنظر إليها بأنها أراض تابعة لروسيا، وتبقى منطقة البحر الأسود منطقة هامة لا تزال روسيا تحتفظ بمواقعها فيها.

وتدعم روسيا «جمهورية ابخازيا» التي أعلنت انفصالها عن جورجيا من جانب واحد. ولا تعتبر جورجيا عضوا في حلف الناتو ولهذا فإنها لا تستطيع الاستعانة بحلفائها المحتملين في التعامل مع المشكلة الابخازية. غير ان الغرب ينظر نظرة طيبة إلى جورجيا ويدعمها ولو معنويا،

خاصة بعد الثورة الوردية التي وقعت في عام 2003 والتي أتت بنظام ليس فقط موالياً لواشنطن بل ومستعد للتحرش والصدام مع موسكو من أجل إرضاء واشنطن، وتسعى السلطة الجورجية إلى استغلال العمليات التي يقوم بها حلف الناتو في البحر الأسود في إطار «الجهود النشيطة» في محاربة الإرهاب في البحر المتوسط حاليا،يرجح ان تستغل السلطة الجورجية هذه العمليات لخدمة مصالحها،

خصوصا في المياه الإقليمية الابخازية التي لا تراقب أية دولة ما يجري فيها بصورة رسمية في الوقت الراهن. وبالتالي فإن هذا يعطي ذريعة لجورجيا لتطالب قوات الناتو بأن تقوم بدورية مكثفة في هذه المنطقة. ولن تستطيع روسيا الاعتراض على ذلك باعتبار أنها في إطار الحملة العالمية ضد الإرهاب، وأنها تتم بموافقة جورجيا صاحبة المياه الإقليمية التي ستعمل فيها سفن الحلف.

ومن الممكن ان تواجه روسيا مشكلة أخرى في منطقة أخرى هي شبه جزيرة القرم في أوكرانيا ، حيث القاعدة الرئيسية «سيفاستوبول» للأسطول الروسي في البحر الأسود. ذلك ان السلطة الأوكرانية التي ترغب مثلها مثل السلطة الجورجية في الحصول على العضوية في حلف الناتو، ستحاول استغلال مناورات وعمليات حلف الناتو تحت اسم «الجهود النشيطة» لتحقيق مصالحها.

فما دام حلف الناتو ينظر إلى أوكرانيا كمرشح للانتساب إلى عضوية الحلف فمن المنطق أن تكون المياه الإقليمية الأوكرانية ميدانا لعمليات الناتو، ولكن هذه المياه تبقى مجال عمل الأسطول الحربي الروسي في الوقت نفسه. وتظل الاتفاقية التي يتواجد الأسطول الروسي بمقتضاها في «سيفاستوبول» سارية المفعول حتى عام 2017.

وإذا ظل الخط السياسي الذي يتبعه كل من موسكو وكييف على حاله فقد يغادر الأسطول الروسي«سيفاستوبول» في عام 2017 وتصبح هذه المدينة الأوكرانية مركزا لقوات الناتو. ولا يمكن ان تكون لروسيا أية مطالبات على الناتو من حيث الشكل، إذ يطل على البحر الأسود، إلى جانب روسيا، كل من جورجيا وتركيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا مع العلم ان رومانيا وبلغاريا وتركيا أعضاء حلف شمال الأطلسي في حين تدعم جورجيا وأوكرانيا هذا الحلف.

وبالتالي لا تستطيع موسكو ان تحتج على «الجهود النشيطة». ولا يبقى أمام روسيا،غير ان تشارك الناتو «جهوده النشيطة» لاسيما وان قائد قوات الناتو البحرية في جنوب أوروبا الأميرال الإيطالي مونتيفورتي أعلن أن الأسطول الروسي في البحر الأسود سينضم إلى عملية(الجهود النشيطة) «عندما سيصبح مستعدا»، ولكن هل ستوافق روسيا على هذه المشاركة؟

ولا يمكن القول ان علاقات روسيا مع الناتو تشوبها مواجهة. وتجدر الإشارة إلى ان خطة التعاون بين روسيا والناتو لعام 2005 تضمنت إجراء أكثر من 200 فعالية عسكرية مشتركة بما فيها مشاركة روسيا في عملية الناتو «الجهود النشيطة» في البحر المتوسط. ومع ذلك فإن موسكو أوضحت لقيادة الناتو أن مد هذه العملية إلى البحر الأسود أمر غير مرغوب فيه، وأنها لا ترى مبررا لتوسيع المهمة لتشمل البحر الأسود.

وترى موسكو أن البحر الأسود ليس بحاجة لنشاطات حلف الناتو فيه لأنها ستزاحم قوات وعمليات أخرى في البحر تقوم بها الدول الواقعة على شواطئه، فهناك القوات التي تشارك في مناورات «بلاك سي فور» والتي تقدر على التعاطي مع المشاكل في هذه المنطقة،

علاوة على أن هناك التدريبات الروسية التركية المشتركة التي يتم خلالها تنفيذ المهام نفسها التي تهدف قوات حلف الناتو إلى تحقيقها،مثل الاعتراضات للهجرة السرية وتهريب الأسلحة وكافة الأنشطة الإرهابية، ولكن هل هذا يمكن أن يقنع حلف الناتو بالعدول عن مخططاته في التواجد في البحر الأسود؟، هذه المخططات التي تعلم روسيا أنها تهدف على المدى البعيد إلى محاصرتها في الجنوب ومطاردتها لإجلائها من البحر الأسود تماما.

لم يعد بإمكان روسيا منع هذه الخطط خاصة مع عمليات تدويل النزاع الجورجي ـالابخازي لأن «الجهود النشيطة» تهدف إلى دعم الاستقرار والسلام في هذه المناطق، ومن ناحية أخرى فإن عدم حل مسائل الحدود بين روسيا وأوكرانيا يتيح الفرصة لأوكرانيا لدعوة سفن حلف الناتو للعمل في شواطئها، وهكذا لا يزال الكثير من أهداف روسيا وحلف شمال الأطلسي بعيدا عن التطابق.

وأعلن قائد قوات الناتو المشتركة في أوروبا الجنرال الأمريكي جونس أمام أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ان الولايات المتحدة تعلق أهمية متزايدة على منطقة القوقاز وبحر قزوين والبحر ألأسود، ويرى الجنرال جونس ضرورة ان ترحل روسيا من هذه المنطقة لكيلا تمنع نقل قوات أمريكية إلى «قواعد جديدة».

على أي حال فإن روسيا تبقى عاملا سياسيا أساسيا في الساحة السوفييتية سابقا. ولكن ينبغي ان تبذل روسيا قصارى جهدها لصياغة الاستراتيجية المطلوبة وتحقيقها. ويعرف الداني والقاصي أن الولايات المتحدة كانت قد نبذت فكرة المنافسة النزيهة، وهي تتبع استراتيجية إدارة فوضى الآن. وحتى يجني الأمريكيون ثمار الفوضى يجب أولا خلق الفوضى وهو ما يفعلونه في القوقاز.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن مسائل نشر بنى الناتو الأساسية وقواته في البلدان التي انضمت إلى الحلف مؤخرا تبقى في بؤرة اهتمام روسيا. وأشار إلى أن إعلان مبادئ العلاقة بين روسيا والناتو يفترض عدم نشر قوات «كبيرة» في أراضي أعضاء الحلف الجدد،

ولكن ليس هناك حسب قول وزير الخارجية الروسي تفسير دقيق لهذا المفهوم، وكان الوزير الروسي يقصد إقامة قواعد للناتو في بلدين يطلان على البحر الأسود هما بلغاريا ورومانيا ما يفترض حشد المزيد من قوات الناتو البحرية في هذه المنطقة، الأمر الذي يرشح البحر الأسود ليكون مسرحا لصراعات وربما لصدامات في المستقبل.

جامعة سيبيريا