حدث يستحق الوقوف عنده ودراسته والتأمل في دلالاته وتداعياته، إنه انطلاق القناة الفضائية الإخبارية الروسية «روسيا اليوم» من موسكو باللغة العربية والموجهة على الأقمار الصناعية «نايل سات» و«الأوروبي» و«بدر» إلى العرب في كل أنحاء العالم، وهي قناة روسية خالصة، فالقائمون على القناة معظمهم من الروس الناطقين باللغة العربية وبشكل جيد جدا ومعهم بعض العرب، كما أن معظم ضيوف القناة من الروس وكثيرون منهم يتحدثون العربية بطلاقة.
توجه الإعلام الروسي إلى العرب يأتي مختلفا تماما عن توجه أي إعلام أجنبي آخر، فالقناة الروسية حسبما اتضح من بداياتها ونوعية البرامج والمواد المقدمة عليها لا تحمل أية توجهات أيديولوجية أو سياسية بل تقدم رسالة إعلامية بحتة تسعى من ورائها إلى سد العجز والنقص الكبير في المعلومات حول روسيا لدى المشاهد العربي، هذا المشاهد الذي مازال يعاني بشكل كبير من رواسب وميراث إعلام الحرب الباردة الماضية والتي شوهت إلى حد كبير فكرة وتصور العرب عن روسيا ومازالت آثارها قائمة حتى الآن، وربما كان هذا أحد الدوافع الأساسية لتأسيس هذه القناة.
لا يستطيع أحد أن ينكر مدى تأثر الإعلام العربي المرئي والمقروء والمسموع بالغرب وإعلامه، ويستطيع أي فرد عادي أن يلاحظ هذا التأثر بمطالعته لمصادر المعلومات والأخبار في إعلامنا العربي، حيث يلاحظ السيطرة التامة لأربع أو خمس وكالات أنباء غربية لا أكثر على عقل المواطن العربي لا يرى العالم إلا من خلالهما، فإذا وقع حدث كبير في روسيا أو الصين أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية فإن المواطن العربي لا يعرف عنه شيء إلا من خلال هذه الوكالات الأربع، والتي بالطبع تنقل الأحداث لوسائل إعلامنا مغلفة بوجهة نظرها وممزوجة بتوجهاتها، بحيث أنه يمكن القول أن المواطن العربي لم يسمع عن روسيا خلال الأعوام السبعة الماضية أي خبر إيجابي.
لقد قررت روسيا أن تخوض الحرب الإعلامية الموجهة ضدها على الساحة الدولية والساعية لتشويه صورتها بهدف الحيلولة دون تطوير علاقاتها بالعرب، مستخدمة في ذلك السلاح الحديث الذي ثبت مدى فاعليته وتأثيره وهو الإعلام الفضائي، هذا السلاح الذي يستخدمه الغرب مع العرب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بشكل مكثف من خلال فضائيات عربية وأجنبية تبث من داخل أو خارج الوطن العربي إرسالا يحمل في معظمه عوامل إثارة الاضطرابات والفتن والقلاقل وتأجيج الصراعات والخلافات بين طوائف وفئات المجتمعات العربية، إعلاما يلعب على مشاعر ومعاناة ومشاكل المواطن العربي ويصور مجتمعاتنا بتاريخها وحاضرها ومستقبلها بكل ألوان السواد والتخلف والجهل والانحطاط، بينما يصور لنا الغرب بألوان وردية وبصورة حضارية ليفرض علينا الخضوع والتبعية الدائمة.
الفضائية الروسية العربية بدأت إرسالها يوم الجمعة الماضي برسالة واضحة بينت فيها أنها لا تسعى للإثارة واللعب على مشاعر ومعاناة المشاهد العربي ولا تسعى للفرقة والفتنة وإثارة القلاقل والاضطرابات، وانعكس هذا بوضوح في الاتصال التليفوني المباشر بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس المصري حسني مبارك، والذي تبادلا فيه الرئيسان التهاني بافتتاح القناة الجديدة وبعيد ميلاد الرئيس المصري، هذا الاتصال الذي يعد سابقة فنية تنفرد بها القناة الروسية.
حيث تم تصويره على الهواء مباشرة من موقع اتصال الرئيسين، ويعكس توجه الفضائية الروسية في التعامل بحيادية تامة تجاه المجتمعات العربية وعدم إتباع أساليب الفضائيات الأخرى في إثارة الشعوب العربية على أنظمتها الحاكمة، وأذكر هنا كلمة قالها رئيس إحدى الفضائيات الأجنبية الموجهة بالعربية من الغرب في يوم افتتاح قناته هذه حين قال «إن معيار نجاحنا يقاس بمدى غضب الحكام العرب علينا، فكلما زاد غضبهم علينا كلما زاد نجاحنا»، أما قناة «روسيا اليوم» فعلى ما يبدو أنها ستربأ بنفسها عن التدخل في شؤون المجتمعات العربية الداخلية وعن اللعب على مشاعر ومعاناة الشعوب.
لقد قدمت روسيا للعرب الكثير والكثير من مشاريع البناء والتعمير والتصنيع والدعم الكامل للقضايا العربية، بينما قدم الغرب للعرب الحروب والدمار والقتل والنهب للثروات والدعم الكامل والصريح لأعدائهم، ورغم هذا لا يرى معظم العرب سوى الإعلام الغربي ولا يقرأون ولا يسمعون غيره، ورغم انهيار الشيوعية منذ سبعة عشر عاما مازال العرب تحت تأثير الإعلام الغربي يخافون على دينهم الإسلامي من روسيا التي يمثل المسلمون فيها أكثر من 20% من شعبها وينتشر في ربوعها أكثر من عشرة ألاف مسجد، وفي برلمانها العديد من المسلمين ولا تخلو حكومة واحدة فيها من وزير أو أكثر من المسلمين، حتى في الوزارات السيادية الحيوية حيث وزير الداخلية الروسي الآن هو المسلم رشيد نور عالييف.
لقد آن الأوان لتصحيح الأفكار وتقديم صورة روسيا الحقيقية للمواطن العربي، وها هي قناة «روسيا اليوم» نموذج وبداية لتوجه جديد من الروس نحو أصدقائهم العرب لعلهم ينتبهون ويفيقون من تأثيرات الإعلام الغربي.
elmoghazy@hotmail.com