منذ نحو قرن ونصف من هذا العصر الحديث أصدر تشارلس دارون - عالم الأحياء الإنجليزي - كتابه الشهير بعنوان «أصل الأنواع» مبشرا أو منذرا بما أسماه نظرية التطور. بعدها قامت الدنيا وربما لم تقعد حتى الآن. وفي أواخر الربع الأول من القرن العشرين أصدر الأستاذ الجامعي طه حسين كتابه الشهير أيضا بعنوان «الشعر الجاهلي» مبشرا بدوره أو منذرا كذلك بمنهج الشك العلمي - الديكارتي كما أسماه وخاصة في تأصيل الشعر الجاهلي.
ويومها أيضا قامت الدنيا ولم تقعد حتى أخرجوا طه حسين من الجامعة ونددوا بما رأوه تجاوزا من جانبه في حق العقيدة والتراث. وعندما أصدر الأستاذ محمد حسنين هيكل كتابه الشهير كذلك بعنوان «خريف الغضب» وكان ذلك مع أوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي ثارت عاصفة من النقد والرفض إلى حد التجريح أحيانا ضد الكتاب ومؤلفه حيث رأى الناقدون والغاضبون في سطور الكتاب تهجما على سياسي راحل هو أنور السادات على وجه الخصوص.
وهنا يكاد يتشكل أمامنا قانون يسري على مثل هذه الكتابات التي صدرت لتثير جدلا واسعا وتحفز عديدا من الأطراف والفرقاء على رفض أطروحاتها وانتقاد كاتبيها وإشعال لهيب الخصومات الفكرية والعقائدية والسياسية بين صنوف المجتمع الذي تصدر فيه وربما يكون الرابح في هذا كله طرفين في تصورنا، أولهما: قارئ الكتاب الذي لا شك سيضيف الجديد إلى وعيه ومدركاته، والثاني هو علم التاريخ.. الذي تأتي مثل هذه الكتابات الجدلية بما يعقبها من مقولات النقد أو الرفض أو الدحض أو التفنيد لتسد في مجموعها ثغرات معرفية أو سطورا لم تكن قد تبلورت معالمها في دفتر التاريخ.
وأحدث الأمثلة في هذا المضمار هو الكتاب الصادر مع أول أيام شهر مايو الحالي والذي ما برحنا نتابعه عن كثب من داخل الولايات المتحدة ونتابع معه موجات النقد - التقريظ أو عواصف الرفض - التفنيد التي ما زال الكتاب يثيرها على صعيد السياسة الأميركية.. وقد استخدمنا لفظة العاصفة وصفا لما أثاره هذا الكتاب الذي ما برح يحتل المركز رقم واحد في تصنيف أهم الكتب وأشدها رواجا ومبيعا حيث اختار مؤلفه - كما أصبح ذائعا - وصف العاصفة بالذات ليضع نفسه وتاريخه ومهنته في قلبها وكأنه كان يرتقب أعاصير النقد أو الرفض التي أثارها صدور هذا الكتاب. والمؤلف بداهة هو جورج تينيت، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية.
كان صعود أو ترفيع جورج تينيت إلى منصب مدير الوكالة الاستخباراتية العتيدة أو «كبير الجواسيس» كما يسمونه أحيانا في أدبيات الإعلام أمرا له دلالة خاصة لمن يتابع تطورات الأمور في تلافيف الحياة السياسية الأميركية.. الرجل من أصل يوناني بمعنى أنه ليس من الجذور الأنغلو - سكسونية التي درج أبناؤها على أن يشغلوا كبرى المواقع - الحساسة بالذات في سلك الإدارة والحكم في أميركا - (في هذا الإطار يشير المراقبون إلى الأصل الإيطالي لمرشح رئاسي عن الجمهوريين هو رودلف جولياني.
فيما يشيرون إلى الأصل الأفريقي لمرشح رئاسي آخر عن الديمقراطيين هو أوباما.. وفي الإشارة ما يفهم تلميحا أو تصريحا إلى أن تلك أمور مستجدة على الشأن السياسي الأميركي.. وقد سبق أن تقدم مرشح آخر للرئاسة في أواخر الثمانينات هو السيد دوكاكيس وتغلب عليه بوش - الأب وكان خصوم دوكاكيس يتندرون تلميحا على أصله واسمه اليوناني).
استقال جورج تينيت من منصبه الخطير بعد انقضاء أكثر من ثلاث سنوات على حرب العراق ويومها أذاع الرجل أن استقالته جاءت لأسباب شخصية أو عائلية.. ويومها أيضا سارع الرئيس بوش إلى منحه أرفع وسام أميركي تقديرا لخدماته ويومها كذلك أقام له موظفوه في مقر الوكالة المركزية حفلا وداعيا اختتمه تينيت بخطاب متهدج دامع العينين مفعم بعواطف أهل البحر الأبيض المتوسط.
مع ذلك، فنحن نحسب أن الرجل ظل على مدى الأشهر العديدة التي انقضت على استقالته المفاجئة، وهو يتميز غيظا وغضبا وقد ترامت من حوله الاتهامات بأنه كان مديرا فاشلا للمخابرات بقدر ما كانت الوكالة المركزية فاشلة تحت إدارته في تقدير الموقف بالنسبة لما تطورت إليه الأمور على مسرح العراق.. هذا فضلا عن اتهامات أخرى أفادت بأنه قصّر - رغم الإمكانات الهائلة التي كانت تحت تصرفه - في توقع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وبالتالي لم يقم بدور يذكر في تحذير قيادة البلاد من خطر وقوعها.
هنالك شعر الرجل بأنه سيكون «كبش المحرقة» كما يقال.. أو هو الضحية التي تقدمها أطراف عديدة في إدارة بوش الراهنة قربانا لتبرير الورطة الراهنة بدورها في أرض العراق. لهذا جاء كتابه أقرب ما يكون إلى محاولة للتبرير أو تبرئة الذات وكأنه أراد أن يتشفى لنفسه وخاصة من أخطر ناقديه وفي مقدمتهم السيد تشيني نائب الرئيس. ولهذا ارتكز الكتاب على ثلاثة محاور أساسية كالتالي:
أولا: إن وكالة الاستخبارات أصدرت أكثر من تحذير إزاء خطر جماعة أسامة بن لادن ولكن الدوائر العليا في إدارة بوش اختارت أن تتجاهلها أو تهوّن من شأنها.
ثانيا: إن السيد تشيني يتحمل وزر المبالغات العلنية التي ظلت تمارس منطق التهويل والغلو في تصوير ما قيل عن أسلحة دمار شامل يملكها أو يطورها نظام بغداد السابق.. ومن ثم فالوكالة بريئة من ذنب التبرير أو التسويغ أو التزيين لشن حرب على العراق في ربيع 2003.
ثالثا: إن التركيز على جملة عابرة فاه بها تينيت شخصيا على مسمع من الرئيس بوش كتبرير لشن حرب العراق.. إنما يشكل محاولة لاقتناص الألفاظ وتحميل الأمور فوق ما تحتمل. العبارة التي وصفوا بها حكاية أسلحة العراق تترجم بأن المسألة لا تكاد تدعو لأي شك أو أنها أمر يكاد يكون في حكم المؤكد. ومع ذلك فالمطلوب أن تكون هي إشارة البدء لإشعال حرب في بلد ما برح أبناء شعبه يكابدون صنوف الدمار والمعاناة.
ويقال إن جورج تينيت أنجز كتابه المليء بالأسرار منذ صيف العام الماضي، ولكنه اختار أن يحجزه عن الصدور.. مراعاة لظروف الانتخابات التجديدية لمجلس النواب والشيوخ، وحتى لا يقال انه يسيء إلى الرئيس بوش وحزبه الجمهوري.. وهي بالطبع الانتخابات التي ألحقت الهزيمة البرلمانية ببوش وحزبه الجمهوري. ومع ذلك فمن أصوات الانتقاد من قال أن توقيت صدور الكتاب في اللحظة الراهنة له بدوره هدف سياسي لأنه يخدم دعايات الحزب الديمقراطي المعارض الذي يندد بما آلت إليه الأمور في حرب العراق.
حيث يكشف عن تهافت التخطيط وتناقض المعلومات ورعونة - بل وعنجهية الاندفاع نحو الزحف إلى بغداد.. لا لوجه الديمقراطية كما صورت ماكينات الدعاية وقتها، ولكن لتجسيد مقولة يؤكد تينيت في كتابه أنه سمعها شخصيا من ريتشارد بيرل وكان ذلك بتاريخ 12 سبتمبر سنة 2001 أي بعد ساعات - كما يضيف - من ضرب المركز التجاري في نيويورك وجاءت المقولة كالتالي:
«إنها كارثة لحقت بنا.. ولا بد أن يدفع العراق ثمنها(!)»
من ناحيته يقول بيرل في معرض التفنيد انه كان في ذلك اليوم بالذات غائبا في فرنسا ومن ناحيته الأخرى يرد تينيت بأنه ربما سمع هذه العبارة بعد يوم أو اثنين بمعنى أن خانته الذاكرة في توقيت التفوه بها فقط. ومن ناحيتنا قد نضيف أن بيرل هذا مشهور بأنه من أشد صقور المحافظين الجدد غلوا وعدوانية ولهذا استحق تسمية «أمير الظلام» التي وصفوه بها يوم أن كان من ثلة مساعدي وزير الدفاع السابق رامسفيلد في مركز التخطيط الاستراتيجي في البنتاجون.
ومن ناحيتها كذلك بادرت وزيرة الخارجية السيدة رايس إلى ما وصفته جريدة نيويورك تايمز (عدد 30/4) بالدفاع عن نفسها إزاء اتهامات مدير المخابرات السابق بأنها قصّرت في إنجاز مهمتها إذ كانت وقت أحداث سبتمبر مستشارة الرئيس للأمن القومي ولكنها لم تأخذ تحذيرات دائرة الاستخبارات على محمل الجد.. وعندما بلغتها تلك التحذيرات إزاء وقوع خطر محتمل وداهم وكان ذلك في يوليو من عام 2001 على نحو ما يذكر تينيت، لم تهيئ المستشارة الرئاسية السبل لإجراء «حوار جاد» بشأن الموضوع أما التحذيرات فقد وصفتها وزيرة الخارجية في أكثر من مقابلة متلفزة بأنها كانت غامضة وعمومية ولم تصف أي إجراء عملي ينبغي اتخاذه.
في كل حال لقد صدر الكتاب بالفعل وأصبح بين يدي القراء والساسة والنقاد، واتبعه مؤلفه بأكثر من لقاء تلفزيوني يجمع بين أهداف التفسير والتبرير والترويج.. ورغم أن هناك من معاونيه السابقين في الوكالة من أطلقوا على إدارته لها عبارة «القيادة الفاشلة»، فضلا عمن انتقدوا سكوته طيلة سنوات على أخطاء حرب العراق دون أن يعبر عن تذمر أو تململ أو يعرض الاستقالة.
ورغم أن الكتاب صدر في لحظات تأزم تعانيها الإدارة سواء في ساحتي العمليات بالعراق وأفغانستان، أو في وجه التحديات السياسية المحتدمة بين الرئاسة الجمهورية والمعارضة الديمقراطية، دع عنك ما يحف بالصف الجمهورية الحاكم من مشاكل وفضائح بعضها يمس السمعة وينافي الأخلاقيات، سواء على مستوى البنك الدولي، أو دوائر وزارة الخارجية - فالحاصل أن كتاب مدير المخابرات السابق عاش العاصفة وكتب عنها وها هو يتعرض لأكثر من عاصفة.. والأمر في كل حال يشهد أولا بفشل المخطط السياسي والعسكري الأميركي في العراق - وكأنه يترجم في بلاغة مؤسسية حقا مقولة: أن النجاح له أكثر من أب.. في حين أن الفشل يتبرأ منه الجميع.
كاتب مصري