الأزمة السياسية التركية التي تدور حول انتخاب رئيس الجمهورية في تركيا، أعطت نتيجة واحدة وهى أنها أعادت الانقسام السياسي إلى تركيا وهذا الانقسام يقوم بالأساس إلى أسباب ثقافية ومصدره الأساسي هو الصراع على الهوية التركية التي مازالت حائرة بين عدة مشاريع متناقضة ومختلفة.

فالمظاهرات التي اندلعت في المدن التركية ومنها ما وصل عدد المشاركين فيها إلى مليون مواطن للمطالبة بعدم ترشيح أحد قيادات حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى منصب رئيس الجمهورية وموقف الجيش من ترشيح عبدالله غول الذي أكد فيه انه مازال مدافعاً عن العلمانية وان العلاقة بينه وبين حزب العدالة والتنمية ليست على ما يرام .

والذي ألمح فيه إلى إمكانية التدخل المباشر في الحياة السياسية من أجل الحفاظ على علمانية الدولة، كلها تؤكد الاستقطاب الذي تعيش فيه تركيا، والذي ظن معظم المراقبين إن تركيا قد تجاوزته منذ عام 2002 وهو ما يعنى إن تركيا يمكن إن تعيد انتاج أزماتها السياسية الطاحنة التي عانت منها طوال النصف الثاني من القرن العشرين.

وإذا كانت بعض القوى الخارجية تحمل القوى العلمانية المسؤولية عن عودة هذا الاستقطاب على أساس أنها بتظاهراتها هذه ترفض الخيار الدستوري والديمقراطي الذي يضمن لمرشح العدالة والتنمية الحصول على منصب رئاسة الجمهورية استناداً إلى الأغلبية الكاسحة التي تمتع بها في البرلمان.

فان هناك وجهة نظر مخالفة لذلك تماماً تعمد على إن المسؤول عن عودة الاستقطاب إلى الساحة السياسية التركية هو حزب العدالة والتنمية نفسه الذي يسعى من خلال السيطرة على منصب رئيس الجمهورية إلى إحكام قبضته على العملية السياسية التركية تماماً بما يخل بالتوازن السياسي الذي أعاد لتركيا استقرارها السياسي الأخير. وهم في هذا الصدد يقولون إن النسبة التي حصل عليها الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لا تعطي له الحق في القبض التام على العملية السياسية.

فهو وان كان يحتل حالياً ما يقرب من ثلثي مقاعد البرلمان بما يقربه من منصب رئيس الجمهورية فهو لم يحصل إلا على 34 % فقط من أصوات الناخبين، وهذه النسبة تعني انه لم يحصل على تفويض نهائي من الناخب التركي بالتصرف كما يحلو له في الحياة السياسية. كذلك فان استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً في تركيا أكدت تراجع شعبية الحزب الآن عن العام الماضي. وكل هذه التطورات تعني إن الحزب كان علية البحث عن التوافق مع باقي فرقاء السياسة التركية بدلاً من التصرف منفرداً في مسألة قد يتوقف عليها الكثير من مستقبل تركيا.

وهذا السلوك من حزب العدالة والتنمية ينفي انه يسعى إلى التوافق السياسي أو إلى إيجاد صيغة مستقرة للمشاركة السياسية بعيداً عن عملية الاستئثار الحالية وهى عملية لا يستثنى منها العلمانيون أيضاً والنتيجة النهائية سوف تكون على حساب تركيا التي سوف تتجدد أزمتها السياسية كل فترة زمنية لأن فرقاء الحياة السياسية لم يتوصلوا إلى صيغة للتوافق.

وفيما يتعلق بالأزمة الحالية كان من المناسب على حزب العدالة والتنمية الذي يسيطر على البرلمان إن يجري حواراً مع باقي الأحزاب حول المرشح المناسب لمنصب رئيس الجمهورية أو إن يطرح مرشحه للنقاش مع هذه الأحزاب، بما يمكن معه التوصل إلى صيغة للتوافق حوله. ولكن الحزب لم يعلن عن اسم مرشحه إلا في اليوم الأخير من الترشيح وبدا الأمر وكأنه سر عسكري وحربي، الأمر الذي زاد الفجوة بينه وبين باقي القوى السياسية حتى تلك التي لا تتخذ موقفاً عدائياً منه.

فالملاحظ إن المظاهرات التي شهدتها المدن التركية ضمت في البداية أعضاء من الأحزاب القومية المتطرفة فقط ومع مرور الوقت زادت قاعدتها وأصبحت تضم أعضاء في الأحزاب السياسية الأخرى ومنظمات حقوق الإنسان وكل أطياف المجتمع المدني، وهى يمكن إن تتطور لتصبح أكثر شمولاً مما كانت عليه في يوم التصويت الأول على منصب رئيس الجمهورية في البرلمان.

وهذا الأمر كان السبب المباشر فيه هو أسلوب تعامل حزب العدالة والتنمية مع الحدث السياسي فهو تصور ان المنصب أصبح في يده انطلاقاً من أغلبيته البرلمانية، وتجاهل بالتالي أي محاولة منه للتوافق مع القوى الأخرى وعلى رأسها حزبي «اليسار الديمقراطي» و«الطريق القويم» وباقي الأحزاب الليبرالية واليسارية غير الممثلة في البرلمان وكل ذلك استفز القوى الرافضة التي خرجت في المظاهرات وأعطى للجيش الدافع للتدخل لأنه أدرك إن حزب العدالة والتنمية يواجه حالة من حالات العزلة تجعله لقمة سائغة للجيش.

ويمكن القول إن الطرفين مسؤولان عما آلت إليه الأوضاع وهما معاً يتحملان نتيجة الوضع الذي سينجم عنها وهو عودة الانقسام مرة أخرى إلى السياسة التركية مرة أخرى، وهذه المرة سوف يكون تجاوز الانقسام أصعب عن ذي قبل لأن الفرقاء لن يسعوا إلى الحوار لإنهائه وإنما سوف يتمترس كل طرف وراء أفكاره ولن يسعى للحوار من أجل إنهاء الأزمة السياسية ـ الثقافية التي تعيشها تركيا وكشفت التطورات الراهنة عن استمرارها . فمقدمات الأزمة الأخيرة تكشف عن هذا التوجه.

كاتب مصري