صار ينطبق على الإمارات وصف «نمر اقتصادي» الذي التصق دائما بالدول الآسيوية الواقعة على المحيط الباسيفيكي، وربما يتقاطع نموذج الإمارات في التنمية في بعض قسماته مع دول النمور الآسيوية، وربما يمتلك ملامحه المتفردة والمتميزة، وهو ما يجعل وصف «نمر اقتصادي خليجي» التوصيف الأكثر ملاءمة للتعبير عن أوجه تميز وتفرد النموذج الإماراتي.
وينصرف اصطلاح «النمور الاقتصادية الآسيوية» في أدبيات التنمية الاقتصادية الدولية إلى مجموعة دول جنوب شرق آسيا التي حققت نموا اقتصاديا بمعدلات سريعة ومرتفعة مثيرة وملفتة للأنظار بما يشبه قفزات النمور في سرعتها لتمتد قوتها لسنوات عديدة قبل أن تصل إلى مرحله الشيخوخة. فمن المعروف أن النمور تسير بخطوات وثابة إلى الإمام. كما أنها تسير مرفوعة الرأس، شامخة في تطلعاتها إلى المستقبل. ويضفي هذا الحال عليها نوعا من التفاؤل في حياتها. وهذا هو سر التسمية.
داعب حلم الانضمام إلى «نادي النمور الآسيوية» مخيلة الكثير من الدول في داخل المنطقة وخارجها، وصارت أساليبها ونماذجها في التنمية موضع إعجاب وتقدير على الصعيدين المحلي والإقليمي، ولكن ظل إنجاز هذا النموذج على أرض الواقع مستعصيا على دول المنطقة من مشرقها إلى مغربها، وذلك على الرغم من أن الجميع على معرفة يقينية بعناصر الإستراتيجية أو «الوصفة» - إذا جاز التعبير ـ التي تكفل تحقيق هذا النموذج.
بيد أن الإمارات هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي نجحت في الربط بين التخطيط والتطبيق، بحيث صارت الخطط والرؤى الاقتصادية ليست مجرد تصورات مثالية عن المستقبل بل صارت واقعا محفورا على الأرض، وهو ما جعلها تكتسب شهرة في مختلف الأوساط بأن أقوالها وأفعالها وجهان لعملة واحدة.
وأنه إذا ما بدر عن المسؤولين فيها أية أقوال عن مشروعات أو برامج استثمارية، فإنه سرعان ما تتحول هذه الأقوال إلى أفعال وتصرفات، وبالتالي، صار الخطاب الاقتصادي الإماراتي ليس مجرد كلمات متراصة في قالب جميل للاستهلاك المحلي، بل أضحي تجسيدا للواقع بما ينطوي عليه من فرص وتحديات.
وتحفل الساحة الاقتصادية الإماراتية بالكثير من المؤشرات التي تؤكد النجاح في تحقيق وثبات اقتصادية تماثل وثبات النمور الاقتصادية الآسيوية، حيث زادت مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي للدولة من 46% في 1990 إلى5 ,62 % عام «2006، وهو ما يؤشر على نجاح سياسة التنوع الاقتصادي.
كما نما اقتصاد دولة الإمارات بمعدلات قوية حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للدولة خلال العام الماضي 4 ,23 % ليصل إلى 599 مليار درهم، وارتفع إجمالي الاستثمارات في القطاع الصناعي بالدولة إلى نحو 42, 70 مليار درهم بنهاية عام 2006 بزيادة مقدارها 2 ,2 مليار درهم ونسبة نمو بلغت 23, 3 % مقارنة بنهاية عام 2005 حيث بلغت 22. 68 مليار درهم، وتخطط إمارة أبوظبي لاستثمار 923 مليار درهم في السنوات الخمس المقبلة من بينها 500 مليار درهم سيتم تخصيصها لقطاع التشييد و200 مليار درهم لقطاع السياحة و35 مليارا لقطاع الماء والكهرباء 80 مليارا للنفط والغاز و120 مليارا للقطاع الصناعي.
ويبعث نجاح النموذج الاقتصادي الإماراتي على التفاؤل بالآفاق المستقبلية للمنطقة العربية، حيث إنه برهن على أن النجاح أمر غير مستعص بالنسبة للعقلية العربية، وأن شفرتنا الجينية ليست ضد التقدم، بل قادرة على تسجيل قصص نجاح أسوة بالشعوب الأخرى في العالم المتقدم، وبالتالي، يجب أن نعض بالنواجذ على هذا النموذج، فهو دليل حي على أنه بمقدورنا أن نثب وثبات النمور في تحقيق تطلعاتنا وأهدافنا، بحيث بصبح نجاح الإمارات في الحصول على لقب « نمر اقتصادي خليجي » مجرد بداية وليس نهاية مطاف.