شكل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت (لجنة فينوغراد) برئاسة القاضي إيلياهور فينوغراد للتحقيق في نتائج العدوان على لبنان في يوليو الماضي، ودراسة مجريات الحرب، ومدى استعداد الجيش لها، والمنهج الذي اتبعه والأساليب التي طبقها حتى لو أدى الأمر للعودة ست سنوات للوراء لدراسة الظروف التي أحاطت بتصرفات الجيش وإعداده واستعداده على حدود لبنان منذ انسحابه من الجنوب عام 2000 ولنقل هزيمته في ذلك العام وانتصار المقاومة وتحرير الجنوب اللبناني.
ورغم أن رئيس الوزراء هو الذي شكل اللجنة حيث كان كثيرون ينادون بتشكيل لجنة من قبل الكنيست أو أية جهة أخرى غير الحكومة خوفاً من تراخيها مع من شكلها، رغم ذلك فقد تصرفت اللجنة بحيادية واضحة وفي إطار روح القضاء المستقل،
ومع أنها لم تقدم توصيات باستقالة سياسيين أو قادة عسكريين إلا أنها ألقت ضوءاً على مجريات عدوان يوليو الماضي يدين بوضوح من يجب أن يدان. فقد فضح تقرير اللجنة أخطاء (حالوتس) رئيس الأركان في ذلك الوقت و (أودي آدم) قائد الجبهة الشمالية والعميد (غال هيرش) قائد فرقة الجليل وأدانهم بالتقصير سواء لتجاهل آراء الآخرين أو لاستغلال مناصبهم للتفرد بالقرار أو حتى لتضليل الحكومة من خلال المعلومات غير الدقيقة المقدمة لها،
ورأى أن رئيس الأركان دان حالوتس اتصف قبيل الحرب وأثناءها (بالغطرسة وقلة الإصغاء للآخرين والاستخفاف بخطر الكاتيوشا) وأسكت آراء ضباط كبار كانوا في محيطه، وتوهم أن سلاح الجو الإسرائيلي قادر وحده على حسم المعركة وتحقيق النصر، وأكد التقرير أن إيهود أولمرت رئيس الوزراء فشل في إدارة الحرب ولم تكن لديه خطة سابقة كافية للرد وقاد الحرب بتسرع دون الاعتماد على معلومات دقيقة، والتهم نفسها تقريباً وجهت لوزير الدفاع عمير بيرتس الذي لم يعوض قلة خبرته بالسماع لكبار الضباط ومستشاريه وأدار الحرب مع افتقار واضح للمعلومات.
مثلما يحاول الإسرائيليون أخذ العبر من عدوانهم على لبنان (حرب لبنان الثانية) فإنه ينبغي علينا نحن العرب أن نأخذ العبر من هذه الحرب أيضاً ولعل على رأس الاستنتاجات ما يلي:
1ـ رغم عدوانية إسرائيل تجاه العرب وممارساتها الإرهابية وتصرفاتها الاستبدادية في الأرض المحتلة وحتى تجاه عرب 1948 فإن لجنة فينوغراد أعطت صورة بأن النظام الإسرائيلي يتصرف ديموقراطياً تجاه قضاياه الداخلية وخاصة تلك المتعلقة باليهود أو بالقضايا الاستراتيجية على عكس ما هو تصرفها تجاه القضايا المتعلقة بالعرب سواء داخل (الخط الأخضر) أم خارجه. وعلى عكس تصرف معظم أنظمتنا العربية أحادي الاتجاه حيال القضايا الكبرى.
2ـ إن (لجنة فينوغراد) هي لجنة حكومية، شكلها رئيس الوزراء نفسه، ورفض أن يصدر التشكيل عن الكنيست وافترض كثيرون استحالة أن تدين اللجنة الحكومة ولكنها رغم ذلك تصرفت وكأنها لجنة قضائية باستقلالية مشهودة، فلم تراع رئيس الوزراء ولا الحكومة، ولم تتأثر بمصلحة من اختارها ومن خاض بعض المعارك من أجلها.
3ـ يؤكد تشكيل اللجنة أن المجتمع الإسرائيلي يسعى دائماً لدراسة الفشل والنجاح في سياسات حكومته وأخذ العبر والاستفادة من التجارب، وتحديد المسؤوليات، ذلك لأنه يعتبر أن إسقاطات هذه المسؤوليات ستكون على المجتمع كله، ولا يهادن مخطئاً كائناً من كان فمصير إسرائيل كله مرتبط بالنتائج وتحديد المسؤوليات.
4ـ لقد أكد تقرير (لجنة فينوغراد) بوضوح أن القيادة السياسية الإسرائيلية والقيادة العسكرية أيضاً كانت مفككة قبيل الحرب وأثناءها مرتبكة جاهلة مترددة غير قادرة على المبادرة، فضلاً عن صلف القادة السياسيين والعسكريين ومزاعمهم بالمعرفة وتجاهلهم المعلومات وعدم سماعهم لآراء المختصين وبالخلاصة لم تكن القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية بأفضل حالاً من القيادات العربية خلال الحروب السابقة،
مما يؤكد أن الانتصارات التي حققتها إسرائيل (أو حققها جيشها في واقع الأمر) لم تكن لإمكانيات ذاتية استثنائية أو قدرات ذاتية لا تقهر وإنما لضعف استثنائي لدى الجيوش العربية والمجتمعات العربية، وبالتالي فإن الجيش الإسرائيلي ليس كما قيل عنه، فبالإمكان قهره مع شيء من إرادة الصمود إضافة لتأهيل جيوشنا وتدريبها بما يتناسب مع معظم المهمات، وهذا ما بدا واضحاً ليس في نتائج العدوان على لبنان فقط وهي نتائج ملموسة بل فيما توصلت إليه (لجنة فينوغراد).
5 ـ بعد الفضائح التي كشفت عنها اللجنة سواء منها المتعلق بالقيادة السياسية أم بالقيادة العسكرية، فإن الحكومة الإسرائيلية (بسبب ضعفها وتدني شعبيتها) والقيادة العسكرية (التي فشلت في الحرب) بحاجة ماسة لرد الاعتبار، أولاً لأسباب داخلية واستعادة شعبيتها وثانياً لاستعادة كرامة الجيش المهدورة بالحرب، لهذا من غير المستبعد أن يشن الجيش الإسرائيلي وحكومته حرباً ثأرية ضد لبنان أو ضد سوريا أو ضد غزة لاستعادة الثقة المفقودة وتخليص المجتمع الإسرائيلي من الذعر بسبب ضعف جيشه ولإعادة الثوب الأسطوري الذي كان يزعمه، ولعل الحصافة تقضي أن تستعد سوريا ولبنان لمثل هذا العدوان.
6 ـ من غير المحتمل أن يبقى الحال السياسي والعسكري بعد نشر التقرير كما كان قبله، فرئيس الوزراء إيهود أولمرت (ذو الشعبية الضعيفة) صار أضعف من ذي قبل ومع ذلك فإنه يرفض الاستقالة معتمداً على أكثرية نيابية عمادها نواب حزبه ونواب أحزاب مؤتلفة في الحكومة لكل منها أسبابه التي تدعوه للبقاء فيها، ولكن شوارع المدن قد تمتلئ بالمتظاهرين المطالبين باستقالة أولمرت، ويتوقع كثيرون خروج مئات الآلاف من المتظاهرين في الأيام المقبلة مطالبين برأسه، وعندها قد لا يجد بداً من الاستقالة خاصة وأن كثيرين من حزبه ينتظرون استلام الراية وتشكيل الحكومة.
أما عمير بيرتس الذي يخوض معركة رئاسة حزبه بعد شهر فمن المتوقع أن يفشل فيها، وإن نجح فالغالب الأعم سينتقل إلى وزارة المالية، ولكن الندوب التي خلفتها سياساته وتصرفاته ومواقفه لن تزول لا من أمامه ولا من أمام حزبه، أما العسكريون فقد استقال مسبقاً كل من طالته المساءلة منهم وعلى رأسهم دان حالوتس رئيس الأركان. بقي القول ان بنيامين نتنياهو هو أسعد السعداء بهذه النتائج والأحوال ولعله أخذ يستعد للقفز من كرسي المعارضة إلى نعيم السلطة.
كاتب سوري