بالإعلان عن النتائج الجزئية للتحقيق الذي أجرته ما عرف بلجنة فينوغراد يوم الاثنين الماضي الثلاثين من شهر ابريل المنصرم، تكون إسرائيل قد دخلت طوراً جديداً متقدماً من الأزمة التي تعاني منها حكومتها منذ الانتخابات العامة التي جرت في العام الماضي.

حزب كاديما الذي ورثه إيهود أولمرت عن صاحبه ومؤسسه أرييل شارون وجرى تجميع أغلبية قياداته من حزبي الليكود والعمل، شكل اختراقاً غير معتاد في الحياة السياسية الإسرائيلية حين حقق فوزاً بالانتخابات وحصل على تسعة وعشرين مقعداً، قدم نفسه للجمهور الإسرائيلي على أنه صاحب مشروع سلامي يقوم على مبدأ الفصل مع الفلسطينيين، وفرض تسوية على أساس الحل المرحلي بعيد المدى الذي طرحه شارون.

وباعتباره صاحب الكتلة الأكبر في الكنيست كلف رئيسه أولمرت بتشكيل الحكومة، وقد نجح في استمالة حزب العمل، وكتلة المتقاعدين، وكتل أخرى صغيرة، ثم عاد وعزز ائتلاف الحكومة بإقناع أفيجدور ليبرمان وكتلته البرلمانية للانضمام إلى حكومة أولمرت مما جعلها تحظى بحصانة قوية في الكنيست تصل إلى ثمانية وسبعين مقعداً من مئة وعشرين هم العدد الكلي للكنيست.

خلال ما يقرب من عام على تشكيل حكومة أولمرت، لم تسجل الحكومة أية إنجازات يمكن أن توضع في خانة حسناتها، لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الخارجي، فلقد خاضت الحكومة حرباً واسعة ضد حزب الله ولبنان في 12/7/2006، استمرت خمسة أسابيع، فشلت خلالها في تحقيق أي من الأهداف التي أعلنت نيتها لتحقيقها فلا نجحت إسرائيل في إطلاق سراح الجنديين اللذين اختطفهما مقاتلو حزب الله، ولا استطاعت تدمير القوة الصاروخية للحزب، أو إلحاق الهزيمة به،

لقد وقع الجيش الإسرائيلي في ارتباك كبير، وتعرض وسط وشمال إسرائيل إلى آلاف القذائف الصاروخية التي أطلقها حزب الله دون أن تتمكن كل الوسائل القتالية التي يملكها الجيش، من منع سقوط هذه الصواريخ حتى اليوم الأخير من الحرب وسقط خلالها مئة وعشرين من العسكريين وأربعين من المدنيين عدا عن الجرحى وخاض أولمرت حرباً على الفلسطينيين جرى تصعيدها بشكل كبير منذ الخامس والعشرين من يونيو العام الماضي رداً على عملية الوهم المتبدد،

ولإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي اختطفه مقاومون فلسطينيون من موقعه العسكري، وعلى أثر هذه التطورات، والفشل الذي أصاب إسرائيل، وما لحق بجيشها الذي درجت على اعتباره الجيش الذي لا يقهر، من هزيمة نكراء، أعلن أولمرت في سبتمبر بعد الحرب عن وقف العمل بخطة الفصل أحادي الجانب مع الفلسطينيين، وبذلك أصبحت إسرائيل بلا خيارات سياسية أو عسكرية.

لقد تدنت مكانة إسرائيل حتى بالنسبة لأقرب حلفائها، حتى أن رئيس البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون، حذر بعض زعماء اليهود الأميركيين من أن إسرائيل أصبحت في وضع سييء نتيجة التطورات الإقليمية والدولية، وأنها قد تفقد أفضليتها بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.

أما على الصعيد الداخلي فقد شكلت نتائج تلك الحرب، وتعرض العديد من وزراء الحكومة بما في ذلك رئيسها للملاحقة القانونية بتهم الفساد السياسي والأخلاقي، حتى أن وزير العدل السابق حاييم رامون استقال من منصبه بعد الحرب مباشرة، على خلفية تهمة بالفساد الأخلاقي وجهت إليه، كل ذلك قدم ذخيره جيدة للمعارضة الليكودية التي يتزعمها بنيامين نتنياهو للانقضاض على الحكومة. وفيما سجل الليكود تقدماً كبيراً حسب استطلاعات الرأي المتلاحقة والتي جرت في الأشهر الأخيرة، فكانت شعبية أولمرت، ووزير دفاعه زعيم حزب العمل عمير بيرتس، تتدهور باضطراد إلى أن وصلت الحضيض أو ما يقرب من 2%.

وقد تعززت الاتهامات لأولمرت ووزير دفاعه بالفشل خلال الحرب على لبنان حين استقال ثالث المتهمين رئيس الأركان السابق دان حالوتس من منصبه، لتتركز الحملة الشعبية والسياسية على مطالبة أولمرت وبيرتس بالاستقالة.

كان ثمة مخرج وحيد أمام أولمرت وحكومته، وهو الاندفاع نحو تحقيق تقدم ملموس في مجال عملية السلام مع الفلسطينيين، لكن الرجل يفتقر إلى مواصفات الزعيم، ويفتقر إلى التجربة والتاريخ كمواصفات ينبغي أن تتوفر فيمن يمكن أن يحقق مثل هذا الاختراق التاريخي والكبير، ولذلك فإنه أوغل في وحل الأزمة إلى أن أعلن رئيس لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة للوقوف على أسباب فشل الحرب على لبنان، لكي يدفع أولمرت وحكومته إلى وسط دوامة الأزمة التي ستسحبه إلى قاع المحيط،

فما أن أنهى رئيس اللجنة فينوغراد الإعلان جزئياً عن ما حمله التقرير من اتهامات لأولمرت بقلة الخبرة، والتقصير، وسوء الإدارة، فضلاً عن الاتهامات التي طالت وزير الدفاع حتى ظهرت استطلاعات الرأي تشير إلى موقف الجمهور الإسرائيلي، وحيث أشار أحدها إلى أن 64% يطالبون أولمرت بالاستقالة، فيما 75% يطالبون بيرتس بأن يفعل الشيء ذاته، وفي اليوم التالي، قدم وزير الدولة أيتان كابل، والمقرب من إيهود باراك المرشح الأقوى لزعامة حزب العمل، قدم استقالته، معلناً أنه لا يقبل بأن يستمر في حكومة يرأسها أيهود أولمرت الذي يترتب عليه تقديم استقالته.

وعدا عن الحملة التحريضية الواسعة والقوية التي يشنها اليمين المتطرف، واليمين الديني من خارج الحكومة، لإسقاطها، فقد نشط أعضاء كنيست من حزب كاديما يبحثون عن الطريق التي يعبرون من خلالها عن مطالبتهم أولمرت بالاستقالة والأرجح أن تتشكل كتلة في حزب كاديما تدعو مركز الحزب لاجتماع بهدف استبدال أولمرت كزعيم للحزب بالمرشح الأقوى، وفي مقدمتها وزيرة الخارجية تسفي ليفني.

في هذه الحالة، ونظراً لأن رئيس الحكومة لم يخضع للانتخاب المباشر، وهو قد كلف برئاستها بناءً لكونه زعيم الكتلة الأكبر في الكنيست، فإن الزعيم الجديد لحزب كاديما في حالة الاتفاق على اختيار بديل لأولمرت سيكون بوسعه قانونياً أن يحل محل أولمرت في رئاسة الحكومة وبدون الحاجة لانتخابات مبكرة يسعى إليها ويطالب بها اليمين المعارض.

أما حزب العمل وهو الحليف الأساسي لكاديما في الحكومة، وصاحب الكتلة الثانية من حيث العدد في الكنيست فإن التغيير فيه قد يحصل بسرعة، حيث أن الحزب على موعد مع مؤتمره قبل نهاية هذا الشهر لانتخاب زعيم جديد، ترجح كل المؤشرات أنه سيكون رئيس الحكومة السابق إيهود باراك، وبالتالي يجري التخلص من بيرتس الذي لم يترك منذ توليه المنصب أي بصمة خاصة على حزبه الذي ظهر وكأنه ملحق لزعاماته باهتة ضعيفة هي زعامة كاديما.

في ضوء هذه التطورات، وما ينتظر الحياة السياسية في إسرائيل من حراك وتغييرات، ثمة من يتوقع أن يختار أولمرت توجيه ضربة واسعة للفلسطينيين خصوصاً في قطاع غزة، لم يتوقف عن التهديد للقيام بها لكن تفاقم الأزمة، قد تجعله يبادر إليها لصرف الأنظار ولو مؤقتاً عما يعاني هو وحكومته منه.

كاتب فلسطيني