على ما يبدو أن معاهدات الحد من التسلح التي عقدت خلال النصف الثاني من القرن الماضي قد دخلت مرحلة الاحتضار، وأن القرن الحالي سيشهد تصعيداً جديداً في سباقات التسلح سوف يكون طرفيها الأساسيين التقليديين روسيا والولايات المتحدة إلى جانب دول أخرى مرشحة لدخول السباق.

وقد ظهرت بوادر هذا السباق بوضوح منذ أيام في خطاب الرئيس الروسي بوتين للمجموعة البرلمانية في موسكو، والذي عبر فيه صراحة عن إمكانية انسحاب روسيا من معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، وقد لقى تصريح بوتين استحساناً وتأييداً كبيراً من أعضاء البرلمانيين في روسيا.

واعتبره الكثيرون بأنه القرار المناسب في التوقيت المناسب، خاصة مع تمادي واشنطن المستمر في خداع روسيا بمحاولاتها إقناعها بقبول نشر منظومة الدفاع المضادة للصواريخ على أراضي الدول الأوروبية المجاورة لها، بحجة أن هذه المنظومة ليست موجهة ضد روسيا بل ضد الصواريخ الموجهة من دول أخرى مثل إيران وكوريا الشمالية، الأمر الذي لا يقنع لا موسكو ولا أية جهة أخرى، خاصة وأن الصواريخ المصممة لمواجهتها هذه المنظومة لا تملكها لا إيران ولا كوريا ولا يمكن لهما أن يملكاها في المستقبل القريب أو البعيد، وفقط تملكها روسيا، وما تملكه الصين منها لا يشكل أي تهديد لأحد.

ولكن ماذا يعني الانسحاب الروسي من معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا ؟

الانسحاب يعني أولا أن روسيا أصبحت تشك في جدوى مشاركتها في منظومة الأمن الأوروبي المشتركة من أساسها، وذلك لأن الدول الأوروبية أبدت موافقتها على استضافة منظومة الدفاع المضاد للصواريخ الأميركية على أراضيها وتوجيهها نحو الشرق، الأمر الذي يعني أن الأوروبيين أنفسهم لا يريدون التعاون الأمني مع روسيا .

ولا يمانعون في نفس الوقت في مواجهتها، مما يعني أن عقيدة الحرب الباردة ما زالت تعشش في عقول بعض الأوربيين، وأنهم يؤيدون المخططات الأميركية لمحاصرة روسيا وجرها لسباق تسلح يرهقها ويعرقل تنميتها الاقتصادية التي أصبحت تشكل قلقاً بالغاً لواشنطن وحلفائها، الأمر الذي لا تستطيع معه روسيا الوقوف مكتوفة اليدين أمام التهديدات المباشرة لأمنها.

كما أن انسحاب روسيا من المعاهدة سيعني أنها ستعيد في المستقبل القريب نشر قواعدها العسكرية على حدودها وفي كل مكان في العالم يسمح باستقبال هذه القواعد حتى داخل أوروبا نفسها، وليس من المستبعد أن تفيق أوروبا ذات يوم لتجد القواعد الروسية على أراضي صربيا أو غيرها من الدول.

وهذا الأمر وأن كان لا يعني بالضرورة الصدام أو الحرب، إلا أنه يعني أن واشنطن ستفرض من جديد على الدول الأوروبية ضرورة شراء السلاح الحديث وتطوير قدراتهم العسكرية، مما سيعيق مسيرة وبرامج التنمية في هذه الدول، وخاصة منها الدول التي انضمت حديثا لحلف شمال الأطلسي والتي تعاني من مشاكل اقتصادية كثيرة لا تتحمل معها الإنفاق العسكري.

ومن المعروف أن معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا تقيد البلدان التي وقعتها وصادقت عليها في خمسة أصناف من القوات والأسلحة التقليدية ـ المروحيات والطائرات الحربية والدبابات والمصفحات وعدد الأفراد. الرئيس الروسي بوتين أوضح بكل جلاء أن روسيا لن تقف متفرجة على سباق التسلح الذي فرضته الولايات المتحدة وأنها قررت إشعار الغرب بأنها لا تنوي مواصلة التسليم بالوضع الراهن.

وقد أحدثت تصريحات بوتين ردود فعل قوية، وخاصة لدى قيادة حلف الناتو حيث أعلن السكرتير العام للحلف دي هوب شيفير أن الناتو ينتظر من موسكو توضيحات بصدد تصريحات الرئيس بوتين، خاصة وأن بوتين صرح بأن أعضاء حلف الناتو لا يلتزمون بشروط المعاهدة وأن معظمهم لم يصادقوا على المعاهدة حتى الآن، وقال دي هوب شيفير أن أعضاء الناتو أنفسهم سوف يصادقون على المعاهدة عندما يتأكدون من التزام روسيا بشروطها.

لماذا يصر الأميركيون على ضرورة نشر عناصر منظومتهم الدفاعية المضادة للصواريخ في الأراضي الأوروبية قرب روسيا ولماذا يقرع الروس ناقوس الخطر ولماذا يوافق الأوروبيون على ذلك ؟

قد يكون العسكريون ومصنعو الأسلحة الأميركيون يريدون أن يستمر تدفق الأموال عليهم من الخزانة الأميركية ومن خزانات الدول الأوروبية، ولهذا فإنهم يحتاجون إلى مشاريع باهظة التكاليف. وأيضا لا يستبعد أن يأمل الأميركيون أن تتطور منظومتهم الدفاعية حتى تصبح قادرة على تهديد القوات النووية الاستراتيجية الروسية. ولكن الأغلب أن هذا «طبعة ثانية» لرواية «حرب النجوم»، أي أن واشنطن وضعت نصب عينيها ثانية هدف استنزاف روسيا بإجبارها على إنفاق أموالها لإيجاد ما تجابه به ما هو خطر وهمي.

ومن المحتمل أن تنشئ واشنطن نظاما دفاعيا مضادا للصواريخ من أجل تعزيز حلف شمال الأطلسي الذي أصبح يبدو عاجزا في السنوات الأخيرة. وليس مستبعدا في الوقت نفسه أن تكون أميركا قطعت كل أمل في حلف الناتو وتريد إيجاد ما يكون بديلا للناتو في صورة تكتل عسكري صغير معظم أعضائه من بلدان أوروبا الشرقية.

وبما أن لا أحد يدري ضد من سيكون موجها ما ينوي الأميركيون وضعه في شرق أوروبا قرب روسيا فإن الاقتراح الذي تقدمت به واشنطن إلى موسكو داعية الأخيرة للتعاون في إنشاء نظام دفاعي مضاد للصواريخ بدا سخيفاً وساذجاً ومرفوضاً من موسكو، ولا يعكس حتى النوايا الحسنة من جانب واشنطن بل يعني في الواقع المزيد من الخداع وسوء النية والمماطلة لكسب الوقت حتى تجد روسيا نفسها أمام الأمر الواقع.

وربما تأمل واشنطن في تغيير النظام الروسي والسياسة الروسية في المستقبل القريب وتعود روسيا تهرول نحو الغرب من جديد كما كانت في التسعينات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي لن يحدث سواء باستمرار الرئيس بوتين أو بغيابه، لأن روسيا استوعبت دروس التسعينات جيدا، وتيقنت من أن الغرب لن يقبلها قوية بجواره، وأنه سيستمر في سياساته ومساعيه لإضعافها وتفتيتها.

السؤال المطروح الآن وبجدية هو: كيف سيكون الموقف الأوروبي ؟، هل ستظل أوروبا منساقة بلا حدود للمخططات والتوجهات الأميركية حتى لو كان ذلك على حساب اقتصادياتها وأمن شعوبها ؟

لقد عانت أوروبا الكثير من أعباء الحرب الباردة السابقة، ونجحت في التوصل لاتفاقات للحد من الأسلحة مع روسيا وغيرها، وكان جدير بها أن تدعم الاستقرار والأمن في أوروبا بمزيد من الالتزام بهذه المعاهدات وليس بالتفريط فيها بسهولة نتيجة ضغوط أو إغراءات أو مغامرات أميركية، ومصالح أوروبا مع روسيا أكثر بكثير من مصالحها مع الولايات المتحدة التي ثبت للجميع بما لا يدعو مجالا للشك أنها تضع مصالحها فوق مصالح الجميع.

وكل مشاريع التعاون التي طرحتها روسيا على الأوروبيين خلال الأعوام القليلة الماضية تحقق الأمن والاستقرار والرخاء واستمرار التنمية الاقتصادية في بلدان أوروبا، وخاصة منها الواقعة بالقرب من الحدود الروسية لأنها أول المستفيدين من إمدادات الطاقة الروسية، إذا لماذا تسعى بعض الأنظمة الأوروبية لمضايقة روسيا والتعامل معها بمنطق الحرب الباردة ؟، وهل يتوقعون من روسيا أن تستسلم وتخضع؟

إنها أوهام أوروبية لن تفيد ولن تجدي، وسوف تزيد من التوتر والاضطرابات الأمنية التي ستجر على شعوب أوروبا ويلات هي في غنى عنها لو استوعبت أنظمتهم دروس الماضي القريب.

جامعة سيبيريا