تشتهر بعض المدن في العالم باستضافتها لمؤتمرات ولقاءات إقليمية أو دولية تلعب دوراً هاماً في إحلال السلم أو وأد بؤر للخلاف أو إنضاج بعض الاستراتيجيات المشتركة. ومن هذه المدن، في العالم العربي، مدينة شرم الشيخ المصرية التي شهدت منذ قمة السلام عام 1996 التي حضرها عدد من رؤساء الدول في العالم وحتى مايو 2006 حيث عقد منتدى دافوس للحوار المستفيض حول القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية العديدة التي تزخر بها منطقة الشرق الأوسط، ثلاثة عشر مؤتمراً ولقاءً.

وقد استضافت هذه المدينة أمس المؤتمر الدولي الثاني حول العراق استكمالا للمؤتمر الدولي الأول الذي عقد في بغداد والذي أختتم بتَعرض مكان عقده إلى قصف صاروخي دفع المؤتمرين في حينه إلى طلب عقد المؤتمر القادم في دولة أخرى.

أن أغلب المؤتمرات التي أشرنا إليها تهدف إلى إيجاد صيغ وسطية ترضي الأطراف الذين تشكل مواقفهم المتباينة جوهر الصراع، وعادة ما ترافق هذه المؤتمرات جهود مضنية تبذل في الفترات التي تسبق الانعقاد ليكون هذا اللقاء القصير تمهيدا لوضع اللمسات الأخيرة على ما تم الاتفاق عليه خلف الكواليس.

تُعقد المؤتمرات عادة لغرض التوصل إلى حلول لبعض المشكلات والتخلص من العقبات التي تعترض ذلك أو تذليلها، وهذا في الحقيقة أمر قد يكون في بعض الأحيان غاية في التعقيد، فالتوصل إلى تسوية حول قضية من القضايا هو في الوقت نفسه تخلصٌ من إحدى العقبات التي تقف في طريق التسوية، هذه العقبة قد تكون شخصاً أو حزباً أو سياسة أو نفوذاً لدولة أخرى أو غير ذلك.

وفي سياق الحديث عن المؤتمرات التي عقدت حول العراق، عُقد قبل ذلك عدد منها ساهم فيها الفرقاء العراقيون أنفسهم بوجود وسطاء آخرين، نذكر منها المؤتمرات التي عقدت في القاهرة وفي مكة. ولم يتم الانتقال من الأجواء المحلية أو الإقليمية للمؤتمر إلى الأجواء العالمية إلا بسبب توصل اللاعبين الرئيسيين في الساحة السياسية العراقية.

وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، إلى القناعة التامة بضرورة تدويل الملف العراقي بسبب عنف الأحداث التي تشهدها الساحة السياسية يومياً في العراق و بسبب الضغوطات التي تزايدت على الإدارة الأميركية بعد فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الكونغرس بمجلسيه وبعد نشر تقرير مجموعة دراسة العراق التي أوصت بضرورة إشراك دول الجوار، خاصة إيران وسوريا، في أية تسوية للشأن العراقي.

فما هي الفرص أمام هذا المؤتمر للنجاح؟

سبق عقد هذا المؤتمر حملة إعلامية براقة، فقد وضعت صحيفة الأهرام المصرية في صدر صفحات العدد الصادر في الحادي عشر من أبريل المنصرم مبررات عقد هذا المؤتمر، لخصتها في أربعة محاور: الأول هو القيمة الكبيرة للعراق أرضاً وشعباً والتي ينبغي الحفاظ عليها، والثاني هو ضرورة انتصار ثقافة حب الحياة والبناء على ثقافة الموت والدمار التي يروجها الإرهاب.

والثالث هو المسؤولية الموروثة عبر الثقافة والتراث بنصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً فإن كان ظالماً تكون نصرته بالنصح وردّه الى الحق، والرابع هو موقف مصر كحاضن مقبول لجميع الفرقاء العراقيين من منطلق كونها تقف على مسافات متساوية مع شعب العراق بجميع مكوناته وترفض جميع أشكال العنف والمظاهر المسلحة والإرهاب والقتل، وترفض أي شكل من أشكال الطائفية.

لقد راهنت بعض الأطراف التي تمسك ببعض خيوط اللعبة السياسية في العراق، منذ الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق، على إبقاء الواقع العراقي في حالة المراوحة، إن لم يكن دفعه نحو المزيد من التأزم، وذلك كسباً لوقت ثمين هي في حاجة إليه لمعالجة قضايا خاصة بها وإضعافاً للدور الأميركي في العراق كمقدمة لإحباط المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير، وقد ساعدت الولايات المتحدة نفسها في ذلك بسبب السياسات المتشنجة التي انتهجتها الإدارة الحاكمة.

جرت في الماضي محاولات عديدة لمعالجة الوضع الشائك غير المستقر في العراق عن طريق توسيع رقعة العملية السياسية الجارية فيه و الضغط على شرائح المجتمع العراقي التي قاطعت العملية السياسية وقاطعت الانتخابات الأولى وجرها إلى الإسهام الإيجابي فيها. وقد حصل ذلك فعلاً وتمخض عن مشاركة واسعة في الانتخابات الأخيرة، ومشاركة كذلك في حكومة الوحدة الوطنية برئاسة المالكي.

إلا أن حصيلة الشهور العشرة الماضية، من عمر هذه الحكومة، قد كشفت بأن توسيع المشاركة في العملية السياسية لم يسهم في تحسين الوضع الأمني الذي استمر في التدهور وخلقَ تداعيات جديدة أصبح من الصعب جداً تجاهلها بعد أن ازدحمت دول الجوار بالنازحين العراقيين وبدأ الوضع في العراق يشغل حيزاً من الاهتمام الدولي مما يتطلب قراءة جديدة لوضعه السياسي ووضع سيناريو آخر لمعالجته، فالصراعات التي تدمر العراق ليست صراعات عراقية - عراقية فحسب.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد حضرت المؤتمر الدولي الأول حول العراق وتحاورت على هامشه، في استحياء، مع كل من سوريا وإيران، إلا أنه لم يتمخض عن شيء يذكر، وقد أسهم فقط في إذابة القليل جداً من الحاجز الجليدي الذي شيدته المصالح والاستراتيجيات المتنافرة لكل من الولايات المتحدة من جهة وإيران وسوريا من الجهة الأخرى.

إن الأجواء التي سبقت المؤتمر الدولي الثاني تختلف عما كانت عليه سابقاً، فالولايات المتحدة حريصة على حضور إيران التي تمنعت عن ذلك حتى الساعات الأخيرة لعقده، فهي لم تعترض على الجهود الدبلوماسية التي بُذلت من قبل العديد من الأطراف، وبضمنها وزارة الخارجية العراقية، لحمل إيران على التخلي عن سلبيتها وإقناعها بضرورة الحضور.

من الصعب التنبؤ بمسار المفاوضات في أروقة المؤتمر فهنالك أجندات كثيرة تفعل فعلها في تسليط الضغوط على الجهات الفاعلة في الساحة العراقية، فالحكومة العراقية مضطرة للاستجابة للضغوط التي تسلطها بعض دول الجوار بسبب الديون الثقيلة التي ترهق كاهل العراق والموروثة بسبب مغامرات النظام العراقي السابق وحروبه العبثية.

كما أنها تجد نفسها بالضرورة عرضة للضغوط الأميركية لتغيير بعض المسارات في السياسة الداخلية، وهي ضغوط ليست معزولة عن قلق بعض دول الجوار العراقي، الوثيقة الصلة بالولايات المتحدة، والتي لا تستبعد تسلل ما يجري في الساحة العراقية من عنف طائفي إلى أراضيها. وقد نجحت هذه الضغوط في حمل الحكومة العراقية على انتهاج مسارات أكثر وضوحاً عن ذي قبل للنأي بنفسها عن سياسات سابقة فُسرت برغبة العراق الجديد في الابتعاد عن فضائه العربي.

إن كسب الاستقرار في العراق يتطلب قبل كل شيء قناعة العراقيين أنفسهم بذلك ورفع الحيف الذي يشعر به بعض الفرقاء والشرائح الاجتماعية، إلا أن المحاولات لتحقيق ذلك، في الحقيقة، ضعيفة إلى حد كبير رغم ضخامة ما يروج لها إعلامياً. فقد شهدت الآونة الأخيرة إضافة نقاط فُرقة جديدة فرضتها بدأ تنفيذ أجندة مثيرة للجدل وردت في متن الدستور العراقي الدائم والتي كانت موضع نقد ومعارضة شديدة من قبل أطراف سياسية هامة في الساحة العراقية.

وهذه الأجندة تتعلق بفيدرالية الأقاليم، وتتعلق بتوزيع الثروات التي فرضت تأثيراتها في مسودة قانون النفط والغاز المقدم لمجلس النواب لإقراره، وتتعلق بتطبيق المادة 140 الخاصة بتطبيع الأوضاع في كركوك تمهيداً لإجراء الاستفتاء حول مستقبلها. وهذه الأجندة هي في الحقيقة من الأهمية بمكان بحيث انتقل الحوار حول بعضها إلى أجواء أكثر هدوءاً في إحدى الدول الخليجية التي استضافت هذه اللقاءات العراقية التي لم يغب عنها أو عن بعضها مراقبون من الولايات المتحدة.

إن الواقع العراقي شائك جداً ومعقد غاية التعقيد، وقد أسهم فشل المعالجات السابقة في زيادة هذا التعقيد، مما خلق أجواءً لا تدعو للتفاؤل بما سوف ينبثق عن هذا المؤتمر من قرارات أو توصيات سيما لم تتسرب حتى ساعة انعقاده أية معلومات عن أطروحات سياسية جديدة تنهي الصراعات العراقية - العراقية وتدفع العراقيون إلى حسم صراعاتهم مع الآخرين.