في زمن أبي تمام العباسي كان السيف أصدق أنباء من الكتب.. لكن يبدو أن الأمور تغيرت مع تبدل أحوال الزمن.. حيث أصبح للكلمة المنشورة وقع وتأثير يكاد يتعادل مع أثر السيف وربما يتحقق الهدف بقدر أكبر من فصاحة البيان. تتجلى هذه الحقيقة المستجدة في الظاهرة التي بات يرصدها مراقبو المشهد السياسي الراهن في الولايات المتحدة..
وهو المشهد الذي بدأوا ينصبون على خشبته مسرحية الترشيحات الرئاسية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ارتقابا لخوض المرحلة الأولى حين يختار كل من الحزبين مرشحه الأثير لخوض المرحلة الأخيرة والحاسمة التي يقرر خلالها الناخبون الأميركان اسم وشخصية السيد (أو السيدة) الذي سيتولى قيادة بلادهم على مدار أربع أو ثماني سنوات مقبلة.
الظاهرة المستجدة يطلق عليها المراقبون عبارة «سياسة النثر» وهي الترجمة التي اختارها الكاتب الأميركي «متشكو كاكوتاني» للتعبير عن سباق آخر هو سباق إصدار الكتب التي تحمل اسم كل مرشح ديمقراطي أو جمهوري قرر أن يخوض السباق الرئاسي في الولايات المتحدة وربما نصحه معاونوه ومستشاروه، ومنهم خبراء محنكون في مضمار العلاقات العامة والدعاية والإعلام، أن يقدم نفسه لجموع الناخبين من سطور كتاب أو من خلال سرد نثري يوضح أبعاد الشخصية ويطرح الرؤى ويلخص الطموحات.
ورغم أن ظاهرة «نثر السياسة» أو «السياسة المنثورة» مستجدة في أميركا كما ألمحنا ـ فلقد نراها ذات جذور أبعد وأصول أعمق في سياقات ثقافات أخرى من عالمنا.. وهي سياقات ينتمي بعضها إلى أقطار عالمنا العربي في المشرق وفي المغرب على السواء.
إنها ظاهرة الزعيم ـ الكاتب أو السياسي المفكر ـ ظاهرة القائد السياسي ومؤلف الكتاب.. ونستطيع أن نرصدها مثلا ابتداء من حالة خير الدين التونسي الذي شغل منصب الوزير الأول في تونس ، بل ارتقى في سلك المناصب العليا إلى أن أصبح «صدرا أعظم» بمعنى رئيس وزراء السلطة العثمانية بجلالة قدرها في عام 1878 ومع ذلك فالرجل في رأينا مذكور في التاريخ العربي ـ الإسلامي الحديث بفضل كتابه الجامع الذي أصدره بعنوان «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك».
ويكاد الكتاب التونسي يكون معادلا لكتاب آخر، مصري هذه المرة هو «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الذي كتبه الأزهري الأديب رفاعة الطهطاوي حيث يتفق المفكران خير الدين والطهطاوي في حرص كل منهما على تسجيل ملاحظاته الثاقبة عن أوروبا ـ القرن التاسع عشر التي زاراها وارتأيا أن يقبسا من حضارتها وتقدمها لكي ينيرا بذلك طريق قومهما في بلاد العرب وأقطار المسلمين. نذكر أيضا زعيما بارزا في تاريخ مصر الحديث هو محمد فريد (توفي عام 1919) وقد ترك كتابا من تأليفه بعنوان «تاريخ الدولة العلية العثمانية».
على أن ظاهرة الزعيم ـ الكاتب والكتاب ما لبثت أن تجسدت وذاعت مع انتصاف القرن العشرين حيث رأينا الزعيم الصيني ماوتسي تونغ يصدر كتابا عن الثورة الثقافية.. والزعيم الهندي نهرو يصدر كتابا عن «ملامح من تاريخ العالم» والزعيم الافريقي قوامي نكروما يصدر كتابا بعنوان «إني أتحدث عن الحرية» هذا فضلا عن كتاب «فلسفة الثورة» للزعيم العربي عبدالناصر ومذكرات تشرشل في انجلترا ومذكرات ديجول زعيم فرنسا الكبير.
ولأن الساسة في أميركا يتبعون أسلوب البرغماتية الذي يجمع بين النهج العملي وأسلوب الواقعية السياسية، القائم على الذرائع والمصالح، فهم على ما يبدو لا يهتمون بالفكر النظري أو التأليف قدر اهتمامهم بالحركة الدينامية وبالدعوة والدعاية والصورة المنطبعة ـ بالإيجاب والتزويق طبعا في ميديا الإعلام..
وربما يعمدون إلى حكاية التأليف وإصدار الكتب وتدبيج المذكرات بعد أن يركنوا إلى عالم التقاعد عقب انتهاء الولاية الرئاسية في البيت الأبيض أو عقب اعتزال النيابة البرلمانية في مجلسي الكونغرس.. هكذا رأينا كتابات ريتشارد نيكسون خلال تقاعده الطويل إثر فضيحة ووترجيت، ورأينا بالطبع كتاب السيرة الذاتية للرئيس كلينتون التي صدرت مؤخرا طبعتها الشعبية (بيبر باك) آية على ما حققته من رواج وبالطبع ما كسبته من ملايين. ورأينا .
ـ وهذا هو الأهم ـ كتابات الرئيس جيمي كارتر وقد صدرت في معظمها عن حلقات تجمع بين حس أخلاقي وتقوى عقائدية وإيمان بحقوق الإنسان وتكريس للقيم وفي مقدمتها قيمة العدل ورفض الظلم والعنصرية وهو ما تجلى في الكتاب الذي أصدره كارتر مع مطلع العام الحالي ولا يزال يسبب له وابلا من هجوم اللوبي اليهودي لمجرد أن عنوانه يقرن بين مأساة فلسطين وبين جريمة الفصل العنصري (الأبارثيد).
لكن متغيرات الأحوال في أميركا وسطوة الميديا الإعلامية وتسابق الفرقاء على عقول وقلوب الناخبين هي التي أدت ـ كما قد نتصور ـ إلى ظاهرة الكتابات الغزيرة الصادرة مؤخرا عن المرشحين الطامحين إلى المنصب الأول في الولايات المتحدة وهو ما يطلق عليه الكاتب كاكوتاني الذي ألمحنا إليه وصف عملية الترويج الذاتي (ملحق الفنون والآداب الأسبوعي ـ نيويورك تايمز، عدد 22 أبريل). والكاتب الأميركي يحاول تفسير حكاية هذا الترويج قائلاها معناه:
- «تنضح كتاباتهم بالكثير من التوصيات السياسية ممزوجة بحالات التفاخر وتزويق الحقائق والاعتراف أحيانا بالأخطاء.. فضلا عن سطور ومساحات وصفحات (بالياردة كما يقول بالحرف) من بيع أفكار المرشح وبيع شخصيته وتاريخه في سوق المزايدات السياسية.
وذلك في غمار جهود ومحاولات يبذلها صاحب الكتاب لإقناع القارئ أو إغرائه أو استغفاله أو استرضائه أو استجلاب إعجابه أو تعاطفه أو حتى صفحه وغفرانه إذا ما فوجئ المرشح مستقبلا وفي سياق الانتخابات المقبلة بأي اتهام يفجره الخصوم في وجهه ويستغلون فيه ـ على الطريقة الأميركية التقليدية ـ خطأ ارتكبه أو غلطة تحتويها سيرة حياته ويود أن يخفيها عن عيون الناس».
يبادر التقرير الذي نشرته «التايمز» إلى إيضاح أن ليس كل المرشحين في انتخابات عام 2008 المقبلة قادرين على تأليف الكتب ـ بل إن بعضهم استعان بمؤلفين محترفين لزوم رشاقة الصياغة وحسن السبك وعمق التأثير أو التنميق.. وكان في مقدمتهم من الحزب الديمقراطي السيدة هيلاري كلينتون التي أصدرت كتابها بعنوان «أن تعيش التاريخ» أو «التاريخ الحي المُعاش» أما أشرس منافسيها على منصب الرئاسة الأول .
وهو باراك أوباما ـ الذي يعقد عليه الملونون في أميركا آمالا عراضا بحكم شبابه وتكوينه وتعليمه القانوني وصعود نجمه في مجلس الشيوخ وأصوله الافريقية ـ فقد عمد إلى إصدار كتابين في العامين الماضيين أولهما «أحلام من أبي» والثاني بعنوان «جسارة الأمل» وإذا كان العنوان الأول يستثمر سيرة أبيه الذي جاء إلى أميركا مهاجرا من كينيا ـ فإن العنوان الثاني يستغل مشاعر الحنق والسخط ومن ثم اليأس والإحباط التي باتت تستبد بالمواطن الأميركي العادي إزاء مآزق ـ أو ورطة العراق التي ما زالت جرحا قوميا ينزف في بنية المجتمع الأميركي أرواحا وأموالا وإمعانا في غيابات نفق مظلم لا تلوح في جوفه بارقة من نهاية.
في معسكر الديمقراطيين أيضا لا يزال آل جور وهو المرشح السابق للرئاسة يتمتع بقدر من نفوذ ممزوج بالاحترام ـ وربما يرجع السبب في رأينا إلى أن الرجل عكف على كتب أصدرها لتكون أقرب إلى الدراسات المتعمقة عن حالة كوكب الأرض وعن ظاهرة التساخن العالمي وعن مشاكل البيئة والطبيعة وعن الأخطار المحدقة بالحضارة البشرية من مغّبة سوء سلوك الإنسان في تعامله مع مقاليد الكون الذي هو في التحليل الأخير عطية لنا من السماء.
في ظل التطورات الأخيرة أصبح للسيد آل جور صوت رصين ومسموع.. لا سيما بعد أن تحّول بدعوته الإيكولوجية هذه من حيز الكلمة المطبوعة إلى دنيا الصورة السينمائية فكان أن فاز الفيلم الذي أشرف عليه حول هواجس البيئة بجائزة الأوسكار الرفيعة.
أما على الجانب الجمهوري فما زال السباق المرتقب محصورا بين اثنين من المرشحين أولهما السناتور جون ماكين.. الذي يستند إلى تاريخه الشخصي إذ كان مقاتلا وأسيرا في حرب فيتنام نام ثم لا يلبث هذا الرصيد يعاني حالات من التذبذب عندما يعيد السناتور ماكين ترديد معزوفة التأييد على طول الخط للحرب في العراق..
بل فقد الرجل قدرا لا يستهان به من هذا الرصيد عندما ظهرت صوره في سوق شعبي في بغداد الجريحة الأسيرة مبتسما ومدعيا أن «كل شيء تمام» من حيث الأمن والاستقرار في عاصمة العراق وبعد ذلك كشفت الصحافة أن السيد ماكين كان ساعتها محاطا بجحافل من الكوماندوز والشرطة الخاصة والمدرعات.
والحاصل أنه فيما يستغل ماكين تاريخه في فييت نام فيصدر كتابا عن «الشخصية والقدر» فإن المرشح الآخر، الإيطالي الأصل، رودلف جولياني يستغل دوره في مواجهة أحداث سبتمبر الفاجعة إذ كان بالمصادفة عمدة نيويورك ولذلك اختار لكتابه عنوان لا تخفى دلالته وهو «القيادة»®. بمعنى أنه نجح قائدا للمدينة المكلومة خلال الحادي عشر من سبتمبر.. ومن ثم فهو مؤهل للنجاح كقائد للولايات المتحدة اعتباراً من عام 2008 وما بعده. بيد أن البون شاسع والفرق كبير.
كاتب مصري