عندما يتعلق الأمر بمقدمات حرب يونيو 1967 أو بالمسؤولية عنها أو بتداعياتها العاجلة المنظورة والآجلة الممتدة، نعثر على آراء ووجهات نظر شديدة التباين والتعددية بين المصادر والأدبيات العربية والإسرائيلية.
وطالما أننا سنلتقي وشيكاً بالذكرى السنوية الأربعين لهذه الحرب، فإن علينا الاستعداد لاستقبال موجة عالية من التناظر القديم الجديد حول هذه الأبعاد وغيرها.. إذ لن يفوت معظم المعنيين بشؤون الصراع الإسرائيلي العربي والقضية الفلسطينية هذه الفرصة دون تجديد التدافع والجدل حول حدث جرى في صرة الدنيا، المنطقة العربية أو«الشرق الأوسط» ، وما زالت توابعه تتوالى في الجهات الأربع.
في هذا الإطار سيحتدم النقاش الخلافي بشأن قضايا كثيرة خرجت من رحم هذه الحرب وكبرت خلال العقود الأربعة الماضية، عدا قضية أساسية نحسب أنها ستنجو من أسباب التعارض لتشكل نقطة إجماع وتلاقٍ بين المتداخلين، وجوهرها مواقف الحكومات الإسرائيلية تجاه مستقبل الأراضي العربية المحتلة جراء الحرب.
بعد سكوت المدافع بأيام قليلة، دار موقف حكومة ليفي أشكول التي خاضت الحرب حول الملامح العريضة التالية: رفض العودة إلى حدود الهدنة لعام 1949 إجراء مفاوضات صلح مباشرة وثنائية مع الدول العربية قبل الحديث عن أي انسحاب؛ الحدود الآمنة لإسرائيل تقع في «مكان ما» بين مواقع الجيش الإسرائيلي في نهاية حرب1967 وخطوط الهدنة، مدينة القدس بشطريها غير قابلة للتفاوض، مرتفعات الجولان جزء من أرض إسرائيل ينبغي ضمه إليها؛ الأراضي القابلة للتفاوض هي فقط صحراء سيناء ومنطقة قناة السويس، ضم أقسام من الضفة لإسرائيل.
وتشجيع أماكن قيام «كيان فلسطيني» في ما يتبقى منها تحت السيطرة الإسرائيلية العسكرية والخارجية، يتم البحث مشكلة اللاجئين العرب في نطاق إقليمي ودولي وبعد توقيع الصلح؛ إسرائيل دولة يهودية ويجب أن تبقى كذلك حتى بعد ضم مناطق بها سكان عرب، أمن إسرائيل هو المعيار الأساسي للتعامل مع أي حل.
تُرى ما الذي يمكن أن يقال اليوم عن هذه «الثوابت» غير أن إسرائيل منذ عهد أشكول إلى ولاية أيهود أولمرت ربما لما تتزحزح عن واحد منها؟.
لقد تغيرت أحوال العالم بأسره، وتبدلت معطيات «الشرق الأوسط» وأوضاع من فيه من العرب والعجم.. ذهبت رياح قوى وأحلاف ونظم، وثارت حروب وأبرمت تسويات، وذوت أيديولوجيات وانتعشت أخرى، وانفجرت على الصعيد الإسرائيلي ـ العربي الفلسطيني حروب وغزوات كما اندلعت معارك تحرير وانتفاضات وحلقت مشروعات للتسوية وخبت أخرى.. جرى هذا كله ونحوه بينما الحكومات الإسرائيلية المتوالية عاكفة على شروطها ورؤيتها للتعامل مع نتائج حرب 1967 وكأنها بصدد كتاب مقدس لا تبديل لكلماته!.
وان نحن أمعنا النظر فيما قد يصفها البعض بتحولات عن هذه الشروط، كالانسحاب من سيناء وقطاع غزة، وبينهما غزو جنوب لبنان والجلاء عنه، والتسامح مع قيام سلطة حكم ذاتي فلسطيني، وجدنا أنها تحركات وسياسات يمكن تنسيبها إلى أو عطفها على الشروط ذاتها.
بمعنى أن هذه التحولات لم تغادر مربع الثوابت المرفوعة من1967، بحسبها جاءت تلبية للأمن الإسرائيلي بمفهومه الواسع. فبانسحابهم من سيناء يقول الإسرائيليون انهم أمنوا قوة مصر وأخرجوا طاقتها العسكرية الجبارة من حلبة الصراع. أما جلاؤهم عن غزة فقد أعفاهم من عبء أمني مرهق وخلصهم من حمولة سكانية فلسطينية تهدد أكثرية دولتهم اليهودية.
ينتمي لحديث الثوابت الإسرائيلية منذ 1967 أيضاً الاعتقاد بالتفوق الذاتي بالمفهوم الشامل، لاسيما عسكرياً، على العرب فرادى ومجتمعين. وهنا نلاحظ أن الفكر الإسرائيلي يتجاهل بكل صلف التطور الملموس في أداء العرب عموماً مثلما حدث بين يدي حرب أكتوبر 1973، أو في أداء بعضهم على شاكلة الانتفاضتين الفلسطينيتين وحرب تحرير جنوب لبنان بين عامي 1982و2000 والصمود الرائع لحزب الله إبان حرب يوليو 2006 ..
إذا يحيل الإسرائيليون انتكاساتهم في هذه الجولات ونحوها إلى قصور ذاتي حدث عندهم هم ، وليس إلى تحسن في أحوال العرب وقدرتهم على استيعاب دروس الهزيمة واستدراكهم لكثير من النقائص والأخطاء التي ساقتهم إليها. هناك جمود دوجمائي مثير للضجر في مفهوم الإسرائيليين عن الذات وعن (الآخر العربي). جمود لم تنل منه المستجدات وعوارض الزمن التي يفترض أنها لحقت بالطرفين وفعلت فيهما فعلها وفقاً لسنن الحياة!.
مع ذلك ونحوه مما يصح ويمكن الاستدلال به على أن فكرة الثوابت وانعدام المرونة واختفاء الواقعية هي ألصق بالمقاربة الإسرائيلية لقضايا الصراع والتسوية مع العرب، فإن الأخيرين هم الذين عادة ما يرمون بهذه الفكرة ويلامون عليها وكأنها سبة. أكثر من هذا أن بعض أهل الحكم والسياسة والتنظيرات الفكرية من العرب أنفسهم يتخذون من خطاب الثوابت العربية والفلسطينية مادة للسخرية والتهكم ويصفون أصحابه باللغو والغوغائية.
تحدث هذه المعالجة المعيبة على الرغم من البون الشاسع الذي بات يفصل بين الرؤية العربية للتسوية في قمة الخرطوم 1967 وبين نظيرتها المعروضة تحت عنوان مبادرة السلام في قمتي بيروت 2002 والرياض2007. ولو كان المقام يتسع لاستطردنا أكثر إلى قضية الانفضاض العربي المتواتر من حول لاءات الخرطوم الشهيرة: لا اعتراف بإسرائيل ولا صلح ولا تفاوض معها.. لكن الملاحظ في كل حال أن إسرائيل أكثر ديمومة على ثوابتها وصيانة لها وحرصاً عليها، قياساً بالعرب بما فيهم الفلسطينيون.
وأنه في الوقت الذي تنسب فيه الثوابت الإسرائيلية إلى فضيلة الاستماتة في الدفاع عن المصالح الذاتية والصلابة التفاوضية، تجري الاستهانة بما بقي من ثوابت العرب والفلسطينيين بحسبها من تراث سياسي وإيديولوجي ينبغي هجرانه والتخلي عنه.
والحق أنه لو تخلى الإسرائيليون عن ثوابتهم المخالفة للشرائع الحقوقية السماوية والوضعية بقدر ابتعاد العرب عن لاءاتهم (المشروعة)، لربما تلاقى الطرفان منذ سنوات على تسوية مرضية. بتمسكهم بثوابتهم الضالة يصر الإسرائيليون على انتهاك حقوق الغير ومع ذلك يغبطون.
وحين يثبت بعض العرب على حقوقهم وحرماتهم يصفهم السفهاء بالعجز والرجعية والطوباوية. ولعمرك فإن ظاهرة المعايير المزدوجة هذه من أسباب تأبيد نتائج حرب 1967 ومن قبلها نتائج حرب 1948، وبالتداعي تأبيد الصراع الصهيوني العربي والقضية الفلسطينية إلى أجل لا يغامر بتحديده عاقل.
كاتب وأكاديمي فلسطيني