عكست سياسات الكرملين اهتمام روسيا المتنامي بالتعاون مع دول وسط آسيا في قطاع الطاقة، انطلاقا من حرص موسكو على استخدام الطاقة في إعادة بناء اقتصادها واقتصاد دول المنطقة، وبناء قاعدة جديدة وفق مفاهيم جديدة تكون بديلا للرابط السوفييتي.
ولا تقتصر محاور التعاون بين موسكو ودول الفراغ السوفييتي السابق على عقود التوريد ونقل الطاقة، وإنما تشمل أيضا تقسيم ثروات بحر قزوين، الذي يطل على حوضه تركمانيا وروسيا وأذربيجان وكازاخستان. حيث تحاول روسيا الوصول لاتفاقية تقبل بها الدول المطلة على حوض بحر قزوين، لحل القضايا المتعلقة بالوضع القانوني لبحر قزوين وتقسيم ثرواته بين هذه الدول.
وفى هذا السياق تقيم روسيا علاقات خاصة ومتميزة مع الدول الآسيوية المنتجة للطاقة، وتعبر زيارة الرئيس التركماني الجديد إلى موسكو عن هذه العلاقات، خاصة انه أختار أن تكون أول زيارة رسمية يقوم بها عقب توليه مقاليد الرئاسة في بلاده إلى روسيا، ما يعكس حرص تركمانيا على تطوير تعاونها مع موسكو.
وكانت تركمانيا قد وصلت إلى اتفاق مع موسكو على توريد الغاز التركماني إلى شركة (غاز بروم) الروسية بسعر 65 دولارا لكل ألف متر مكعب، وفق اتفاقية التعاون طويل الأجل حتى عام 2028 في مجال الغاز، والتي وقعها الطرفان في أبريل 2003 والتي وضعت جدولا لحجم توريدات الغاز التركماني إلى روسيا بدءا ب3-4 مليارات متر مكعب في عامي 2004 - 2005، ليزداد خلال عام 2006 ويصبح أكثر من 30 مليار متر مكعب، وصولا إلى 80 - 90 مليارا اعتبارا من عام 2007، وتم تعديل الاتفاق خلال العام الماضي عندما رفعت تركمانيا أسعار الغاز لتصل إلى 100دولار للألف متر مكعب، حيث تم تحديد حجم واردات الغاز التركماني إلى روسيا خلال 2007-2009 بحوالي 50 مليار متر مكعب.
وتضمنت الاتفاقية إنشاء خطوط أنابيب جديدة لنقل الغاز التركماني إلى أسواق روسيا وأوكرانيا وغيرهما من البلدان. حيث يتم تصدير الغاز التركماني إلى روسيا عبر شبكة أنابيب «آسيا الوسطى- وسط روسيا» لنقل الغاز، والتي تمر أيضا عبر أراضي أوزبكستان وكازاخستان، إضافة إلى إعداد المشاريع المشتركة (الثنائية) لتوريد الغاز التركماني إلى المستهلكين في أوروبا.
كما نصت أيضا على الاستثمار المشترك لمكامن النفط والغاز في أراضي تركمانيا، واشتراك «غازبروم» في أعمال التنقيب والاستثمار في الشطر التركماني من الجرف القاري لبحر قزوين والضفة اليمنى من نهر جيحون حيث تم في الوقت الأخير اكتشاف مكامن كبيرة من الهيدروكربونات.
وخلال لقاء الرئيس الروسي بوتين مع نظيره التركماني بيردى محمدوف، اشار بوتين إلى أن روسيا قدمت التسهيلات اللازمة لنقل الغاز التركماني، مشيرا إلى شبكة نقل الغاز التي تمر بالقرب من حوض بحر قزوين، وتجدر الشارة إلى أنه يتم ضخ أكثر من 5 ملايين متر مكعب من الغاز يوميا عبر هذا الأنبوب.
ولابد من القول إن تركمانيا كانت شريكاً كاملاً في اتفاقات روسيا مع أوكرانيا عام 2006، والتي تضمنت توريد الغاز إلى أوكرانيا بأسعار لا تزيد عن 100دولار للألف متر مكعب. بعد أن كان الرئيس التركماني السابق يرفض التعامل مع أوكرانيا ما لم تسدد مديونياتها.
وفى هذا السياق أقامت موسكو علاقات جيدة مع طشقند، ووقعت عدة اتفاقات تعاون مع الحكومة الأوزبكية، كان أهمها الاتفاقية التي وقعتها شركة «غازبروم» وأوزبكستان على سعر الغاز الذي تشتريه الشركة من أوزبكستان وأجور ترانزيت الغاز. وكانت شركة «غازبروم» قد وقعت اتفاقية تعاون في مجال نقل وتسويق الغاز مع الشركة الوطنية الأوزبكية القابضة «أوزبيك نفط غاز» للفترة بين عامي 2006 و2010.
كما وقعت شركتا «غازاكسبورت» الروسية و«اوزترانس غاز» الأوزبكية عقد طويل الأمد يتضمن تصدير الغاز الطبيعي من أوزبكستان إلى روسيا. وذلك بالإضافة للاتفاقية الموقعة بين البلدين حول التعاون الإستراتيجي في قطاع الغاز في ديسمبر عام 2002. والتي تنص على شراء الغاز الأوزبكي من قبل الشركة الروسية للفترة الممتدة بين عامي 2003-2012، ومساهمة «غازبروم» في مشاريع إنتاج الغاز على أراضي أوزبكستان، والتعاون في مجال تطوير البنى التحتية لشبكات نقل الغاز في أوزبكستان، ونقل غاز آسيا الوسطى عبر أراضي أوزبكستان.
ووفق هذه الاتفاقية تحصل شركة (غازبروم) على الغاز الأوزبكي بسعر 60 دولارا لكل ألف متر مكعب. وذلك بعد محادثات أجراها رئيس مجلس إدارة شركة «غازبروم» الروسية الكسي ميلير ورئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف. وقد اشترت شركة «غازبروم» حوالى 9 مليارات متر مكعب من الغاز من أوزبكستان خلال عام 2006، وتنوى زيادة حجم وارداتها من الغاز الأوزبكى هذا العام.
وتجدر الإشارة إلى أن احتياطات الغاز الطبيعي في جمهورية أوزبكستان تقدر بحوالي 62,1 تريليون متر مكعب في حين يصل إنتاج الجمهورية حاليا إلى 55 مليار متر مكعب سنويا، منها 5 مليارات تصدر إلى كازاخستان، وقرغيزيا، وطاجيكستان.
وتوصلت روسيا لاتفاقات هامة مع كازاخستان خلال العام الماضي، أكدت على علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث وقع الرئيسان الروسي بوتين والكازاخى نزاربايف اتفاقات حول زيادة طاقة استخدام خطوط الأنابيب لكونسورتيوم بحر قزوين إلى 67 مليون طن من النفط سنويا، باعتبار انه لا يستفاد حاليا إلا من 28 مليون طن.
وكانت روسيا تعترض على تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع كونسورتيوم بحر قزوين لأن تزايد كميات النفط الكازاخي الذي يضخ عبر خط الأنابيب المذكور إلى ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود سيجبر روسيا على تقليص حصتها من الصادرات النفطية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين اللذين لا يتجاوز حجم النفط المنقول عبرهما عن 100 مليون طن سنويا.كما اتفق الجانبان على مواصلة التعاون في استكشاف واستثمار المكامن الثلاثة الكبيرة في كازاخستان.
وهى: كرمانغازي وخفالينسكويه وسنترالنويه، وتجدر الإشارة إلى أن عدد من الشركات النفطية الروسية تستثمر رؤوس أموالها في هذه المكامن، منها شركة «لوك أويل» التي تعتبر من أكبر المستثمرين في كازاخستان حيث بلغ حجم الأموال التي وظفتها في هذا البلد 4 مليارات دولار. كما أنها تحتل المرتبة الرابعة من حيث إنتاج النفط في كازاخستان حيث تنتج أكثر من 5 ملايين طن سنويا.
واتفق الرئيسان على استثمار القدرات الكازاخية في مجال الطاقة الذرية بجهود مشتركة، حيث تعتبر كازاخستان واحدة من 3 دول في العالم تسيطر على 70% من احتياطيات العالم من اليورانيوم الخام الرخيصة نسبيا (40 دولارا للكيلوغرام) من اليورانيوم. وتبلغ حصة هذه البلدان في إنتاج العالم من اليورانيوم 60%.
ومن المعروف أن روسيا يمكن أن تواجه نقصا في اليورانيوم، حيث أن الاحتياطي المجدي لا يتجاوز أكثر من 170 ألف طن، ما يعادل 28% من احتياطيات روسيا من اليورانيوم، والتي تقدر بحوالي 600 ألف طن. وستضطر روسيا خلال السنوات المقبلة إلى زيادة إنتاج اليورانيوم 4,1 مرة في عام 2010، 4,3 مرة في عام 2020، وذلك لكي تضمن تزويد محطاتها الكهروذرية بالوقود وتستمر في تصدير الوقود النووي واليورانيوم غير المخصب إلى الأسواق العالمية.
وبذلك يمكن القول إن البنية التحتية لنقل الطاقة التي تعمل روسيا على تشييدها لم تحررها من محاولات المستهلكين للتأثير على مصالحها وإنما مكنتها من أن تلعب دورا مزدوجا، فهي من جهة تلعب دور احتكار المستهلك في مناطق الفراغ السوفييتي السابق، ومن جهة أخرى تلعب دور احتكار المنتج مع أوروبا نظرا لتوفر إمكانات لديها لتوصيل منتجها إلى المستهلكين.
مركز دراسات الطاقة ـ روسيا