لم يمض سوى شهر على تشكيلها وأدائها اليمين الدستوري في السابع عشر من مارس الماضي، حتى وجدت حكومة الوحدة الوطنية نفسها أمام جملة من التحديات الداخلية والخارجية الصعبة، التي جعلت رئيسها القيادي في حركة حماس إسماعيل هنية، يحذر من أن لدى حركته والفلسطينيين خيارات أخرى لن يطول الأمر أكثر من شهر أو شهرين لاتخاذها في حال واصل المجتمع الدولي حصاره وضغوطه على الشعب الفلسطيني.

فمنذ توقيع اتفاقية مكة بين حركتي حماس وفتح في الثامن من فبراير الماضي بوساطة سعودية كان واضحاً للجميع أن معيار نجاح الاتفاقية، وحكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت تنفيذاً لتلك الاتفاقية، سيكون انطلاقاً من قدرتها على إنهاء الانقسام والاشتباك الداخلي الدامي ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وسلطته، بالإضافة إلى معالجة ظاهرة الفلتان الأمني وفوضى السلاح وتدهور الأمن الجماعي والفردي للمواطنين.

يعتقد رئيس الحكومة وهو محق فيما يعتقده، أن الفلسطينيين قاموا بما ينبغي عليهم القيام به، وأن ما قاموا به عبر اتفاق مكة وبرنامج الحكومة الحادية عشرة، يلبي متطلبات وشروط المجتمع الدولي بما يكفي، لرفع الحصار، والاعتراف بالحكومة الجديدة بكل ما ينطوي عليه الاعتراف من ضرورة التعامل معها والانفتاح عليها، فلقد توقف الاقتتال الداخلي، ذو البعد السياسي، والمتصل بالصراع على السلطة بوسائل العنف.

وجرى الاتفاق على برنامج حكومي يتيح المجال واسعاً للتحرك السياسي مع مختلف الأطراف المهتمة بالتوصل إلى تسوية للصراع مع إسرائيل، وأظهرت الفصائل والحكومة والسلطة عموماً استعداداً عملياً لتحقيق التهدئة مع إسرائيل.اتفاق مكة والبرنامج السياسي للحكومة، أكدا على احترام الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمتها منظمة التحرير عن ملف المفاوضات، ولم يصدر عن الحكومة ما يخالف قرارات القمة العربية خصوصاً ما يتصل بالمبادرة العربية للسلام.

خلال الشهر الأول، من عمر الحكومة التقى الرئيس محمود عباس برئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت ونشطت السياسة الفلسطينية في التعامل مع ملف السلام، والمبادرات المطروحة، من دون عقبات تذكر، لا من قبل الحكومة ولا من قبل الفصائل الرئيسية، كما استجابت للوساطة المصرية، وقدمت لائحة بأسماء الأسرى الفلسطينيين الذين يفترض أن تفرج عنهم إسرائيل في إطار صفقة الإفراج عن الجندي جلعاد شاليت.

بعد لقائه الأخير مع أولمرت في القدس، حصل عباس على موافقة الفصائل، على مبادرة لتحقيق التهدئة الشاملة مع إسرائيل شرط أن تتم في إطار إطلاق الصواريخ من الجانب الفلسطيني على البلدات والكيبوتسات الإسرائيلية.

وفي إطار بلورة الوضع الفلسطيني الجديد إزاء تطلعات المجتمع الدولي، صبرت الحكومة والفصائل التي تشارك فيها على الانتقائية التي تعاملت بها معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة مع الحكومة، عسى أن يؤدي هذا الصبر، إلى توفير قناعات لدى المجتمع الدولي بالتعامل الكامل، والاعتراف الكامل مع الحكومة الفلسطينية كمجموعة واستناداً إلى ذلك قام الرئيس محمود عباس بجولة أوروبية واسعة.

كما أجرى كل من وزير الخارجية د. زياد أبو عمرو، ووزير المالية د. سلام فياض، اتصالات مباشرة مع بعض مراكز الفعل السياسي الدولي، وبدون أن يصدر عن الحكومة ما يقيد حركة واتصالات أي وزير يستطيع المعاونة في تغيير الموقف الدولي من التعامل مع حكومة إسماعيل هنية.

حصيلة الشهر الأول وأكثر من عمر الحكومة، وما يمكن تسجيله من مؤشرات، لا تحمل على التفاؤل بشأن ترسيخ التحولات السياسية التي شهدتها الساحة الفلسطينية مؤخراً، وربما يؤدي ذلك إلى انتكاسة خطيرة تقود بالوضع الفلسطيني إلى ما كان عليه الحال قبل اتفاق مكة، بل وما هو أخطر من ذلك.

في الواقع، ظل المجتمع الدولي، مع استثناءات محدودة، على نظرته وطريقة تعامله مع الحكومة الفلسطينية، من حيث التمسك بالمواقف السابقة، التي لا ترى إمكانية التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية ورفع الحصار عنها إلا بعد أن تلبي الشروط الثلاثة التي طرحتها الرباعية الدولية، وهي الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود، ونبذ ما يسمى بالعنف والإرهاب والالتزام الصريح بما تم توقيعه من اتفاقيات.

باستثناء روسيا والصين والنرويج، ورغم وجود مؤشرات على إمكانية تطور مواقف بعض الدول مثل فرنسا وإيطاليا، فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لم يغيرا في جوهر مواقفهما، إلا بحدود بسيطة لا تصل لمستوى رفع الحصار، ولا تعد الفلسطينيين بفك هذا الحصار.

وفي السياق يبدو أن المجموعة العربية التي أقرت قمتها في مكة، رفع الحصار ووعدت بالعمل مع المجتمع الدولي من أجل رفعه، لم تفعل الكثير من اجل ذلك، ولم تتمكن من إيصال الدعم المالي الذي قررته لدعم السلطة، بسبب القيود الأميركية المفروضة على البنوك العاملة في فلسطين.

على صعيد آخر، قابلت إسرائيل المبادرة العربية بالرفض وهي المسؤولة عن إجهاض كل المساعي من أجل إعادة بناء وتنشيط المفاوضات والعملية السياسية، فضلاً عن إنهاء المسؤولية عن تعطيل صفقة التبادل المتصلة بالجندي الإسرائيلي الأسير شاليت، والأسرى الفلسطينيين.

يتضح أن لحكومة أولمرت، ما يدفعها أيضاً لإفشال مبادرة التهدئة التي تقدمت بها الفصائل، وأنها تفكر وتعمل على تصدير أزمتها بسبب حروبها الفاشلة وفشلها على المستوى الداخلي، فقد بات مؤكداً أن أولمرت وحكومته، يسعيان وراء تصعيد العدوان على الشعب الفلسطيني، وقدراته تتحضر لارتكاب عدوان كبير على قطاع غزة، باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة المتاحة، للهروب من استحقاقات البحث عن السلام، والتهرب من الأزمة الداخلية التي تنتظر الحكومة ورئيسها نتيجة ملفات الفساد، ونتائج تقرير لجنة فينوغراد بشأن إخفاقات الحرب على لبنان في يوليو العام الماضي.

حكومة أولمرت قابلت مبادرة الفصائل الفلسطينية للتهدئة، باشتراط التزام 100% من الفصائل بعدم إطلاق أي صاروخ لمدة أسبوعين، وبعدها يتقرر موقفها، ولكنها خلال كل الوقت لم تتوقف عن ارتكاب وتصعيد العدوان، بغرض استدراج الفصائل رغماً عنها على الرد، وتوفير المبرر الذي تنتظره إسرائيل لإشعال الوضع، فخلال أربعة وعشرين ساعة، يوم السبت والأحد الماضيين قتلت إسرائيل عشرة فلسطينيين من بينهم كوادر وقيادات في كتائب شهداء الأقصى، وسرايا القدس، والقسام، وعاودت طائرات الأباتشي نشاطها فوق غزة لاغتيال المقاومين.

بالإضافة إلى شبه حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية، ما دعا الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة الإعلان عن انهيار التهدئة والرد من قبل كتائب القسام بقصف مئة صاروخ خلال يوم واحد وهو يوم الثلاثاء الماضي الرابع والعشرين من هذا الشهر.

إذا كانت هذه هي حصيلة العامل الخارجي، فإن الوضع الداخلي لم يكن أفضل حالاً. حيث تتفاقم ظاهرة الفلتان الأمني وفوضى السلاح، ويسقط المزيد من الشهداء والجرحى وتستمر التجاوزات والاعتداءات بحق المواطنين وممتلكاتهم، بدون أن تتمكن الحكومة من البدء بتنفيذ الخطة الأمنية التي أقرتها في التاسع عشر من مارس الماضي.

قبل أن تبدأ الخطة، قدم وزير الداخلية هاني القواسمي استقالته من منصبه على خلفية غياب التعاون والدعم، ونقص الإمكانيات المادية واللوجستية، وصنف الأدوات التي ستنفذ بها الخطة.استقالة وزير الداخلية التي لم تتقبلها الحكومة ورئيسها وبغض النظر عما إذا كان سيتمسك بها أو يتراجع عنها تؤشر إلى أزمة إرادة سياسية، وإلى نقص الإخلاص لإنجاح الحكومة وإلى تراجع حالة التفاؤل الشعبي، ولكنها لا تؤشر لإمكانية انهيار الحكومة واتفاق مكة نظراً لأن الأطراف التي تشكلها لا تزال ترى لها مصلحة في بقائها.

غير أن استمرار الأوضاع على هذا النحو، سيجعل الحكومة والسلطة في وضع خصب، قد يؤدي فعلاً إلى تغيير الخيارات، ومن بينها عدا عن عودة الصراع والانقسام والاشتباك الداخلي، عودة حماس إلى مواقع المعارضة، أو عودتها عن المرونة السياسية التي أبدتها، وهي فكرة كانت مطروحة في إطار النقاش قبل الانتخابات، وفي مطلق الأحوال، فإن أي خيار عدا عن خيار حكومة الوحدة الوطنية، سيكون كارثياً.

كاتب فلسطيني