على مسرح قاعة قصر الإمارات في العاصمة أبو ظبي، شارك خمسة عشر عازفاً موسيقياً، من أقطار عديدة، شرقية وغربية، مساء الثالث والعشرون من أبريل الجاري بقيادة الموسيقار المبدع نصير شما في إحياء أمسية فنية متميزة من حيث الأداء ومن حيث المغزى قامت بتنظيمها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث.

وقد نجح هذا الفريق الفني في إيصال الرسالة التي حملتها تلك الأمسية تحت عنوان «أمنا الأرض» في لفت الانتباه إلى ضرورة إيلاء البيئة ما تستحقه من عناية. فمن خلال حوار الآلات الموسيقية المختلفة مع بعضها وحوارها مع الحضور، تمكن هؤلاء الفنانون من إيصال رسالة الفن النبيلة من أجل الإنسان وأسمعوا الحضور، الذي تماهى إلى أقصى درجة مع وقع النغم، صرخات أمنا الأرض التي تشكو من جور وعقوق و إهمال أبنائها.

لقد ورد مصطلح «أُمَنا الأرض» للمرة الأولى في العصر الإغريقي القديم الذي يرجع إلى القرن السادس قبل الميلاد كفرضية عن أصل الحياة حيث استخدم مصطلح «غايا»، الذي يعني «الأرض الأم» لدى الإغريق، للإشارة إلى أنها قد منحت الحياة للجنس البشري و لبقية الكائنات الحية، لذلك لها صفة الأمومة، فهي التي تحنو عليهم، تطعمهم وتسقيهم وترعاهم، ومن ثم تحتضن رفاتهم في حنان عند موتهم. وقد اعتبرت هذه الفرضية «غايا» بمثابة الإلهة الأولى. وليس من قبيل الصدفة أن يكون للأرض صفة الأنوثة في معظم الثقافات القديمة وأن تكون أسماء معظم دول العالم مؤنثة وذلك لأنها قطعة صغيرة من هذه الأم.

وقد كان لهذه الفرضية التي مَنحت الأرض صفة عضوية دلالات أخرى تجاوزت مجرد التسمية، فقد نشأت نظرية ترى بأن الأرض بكل ما عليها من موجودات حية أو غير حية يمكن اعتبارها كائناً عضوياً، بشكل ما، لديه قدر من الوعي بالوظائف التي يؤديها.

ورغم أن هذه الفرضية تصنف على أنها جزء من الموروث الأسطوري القديم، إلا أنها لقيت اهتماماً خاصاً في السنوات الأخيرة من قبل عدد من الباحثين صدرت لهم دراسات كثيرة نذكر منها، على السبيل المثال لا الحصر، ما طرحه العالم الفلكي البريطاني الذي يعمل لبرنامج وكالة الفضاء الأميركية ناسا، جيمس لوفلوك، الذي أشار في كتابه «ما هي غايا» الصادر عن جامعة أوكسفورد عام 1979 إلى أن الأرض أكثر من مجرد كرة من الصخور تحيطها طبقة نحيفة من الهواء ويستقر في فجواتها فيض من المياه، هي في الحقيقة كائن قد يكون لديه قدر من الوعي لوظيفته في هذا الكون الفائق التعقيد كما هو حال الشمس التي تمدنا بالطاقة التي لا غنى عنها لإدامة حياتنا.

لقد رسمت البيئة، بلطفها أو قسوتها، بفقرها أو ثرائها، بجمالها أو قبحها، في هذا المكان أو ذاك، ملامح الثقافات المختلفة على مر العصور، من خلال الدور الطاغي الذي تلعبه في تعيين نمط الحياة الذي على الإنسان أن يختاره. فقد عاش الإنسان على سطح الأرض على مدى عصور طويلة في الماضي بوئام وانسجام معها .

وتناغمت حركاته وأحاسيسه ومشاعره مع حركاتها وإيقاعاتها في فهم متبادل متمتعاً بميزاتها ومتحملاً زعلها الذي تبديه بين الحين والآخر حين ترتجف غضباً أو تتقيأ حمماً أو ترسل مياهها أو أعاصيرها لتخرب مدنه وقراه أو تحرقها أو تغرقها أو تشرده منها. فلم يمكن لديه آنذاك إلا القليل من الحيلة لاتقاء غضب هذه الأم الحنونة الصعبة المراس.

إلا أن العصر الحديث قد أوجد معادلة مختلفة إلى حد كبير مكنت الإنسان من فرض ظروف ليست ملائمة لديمومة الحياة على سطح الأرض وأوجد إمكانيات تدمير شامل لها، فمن خلال سعيه المحموم واللا مسؤول نحو امتلاك أسباب القوة أوجد مبررات لصراعات تزيد من الأضرار التي تلحق بالأرض وبالمحيط الحيوي الذي يوفر التوازنات الضرورية لاستمرار الحياة.

فلم يعد الإنسان حريصاً على إدامة علاقة التفهم المتبادل مع أمه الأرض ولم يعد حنوناً عليها كحنانها عليه، فهو يجتز أشجارها الجميلة بالقسوة التي تُجتز بها جدائل صبية جميلة تساق إلى مصير لا ترغب فيه، ويصم آذانه عن سماع صرخاتها حين تُمزَق أحشاءها بالتفجيرات النووية التي يدعي فاعلوها حرصهم على عدم تلويث الجو، ويرقب في عجز امتلاء أنفاسها بالسموم وهو يقذف إلى الهواء ملايين الأطنان من الغازات المدمرة كل يوم.

كثيرة جداً هي الأضرار التي ألحقها النشاط الإنساني غير المسؤول بأمنا الأرض، وكثيرة جداً المخاطر المتوقعة في المستقبل بسبب الإصرار على عدم الالتزام بتوصيات المؤتمرات العديدة التي عُقدت على مدى العقود الماضية من السنين لدق أجراس الخطر لما يمكن أن يحدث في المستقبل المجهول الذي نصنعه لأبنائنا وأحفادنا، والمجال لا يتسع هنا إلا للإشارة إلى أبرز الأخطار التي تهدد أمنا الأرض:

- التلف في طبقة الأوزون التي تقع على ارتفاع يبلغ قرابة ثلاثين كيلومتراً عن سطح البحر مما أضعف من قدرة الغلاف الجوي على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية التي تصدر عن الشمس، و التي تمتلك من الطاقة ما يكفي

لإنهاء الحياة على الأرض وتجفيف المحيطات على المدى الطويل.

- ازدياد نسبة غاز ثاني أوكسيد الكربون في الهواء وتوقع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة بفعل ظاهرة الاحتباس الحراري المرافقة لزيادة نسبة هذا الغاز والتي سينجم عنها ذوبان نسبة كبيرة من الكتل الجليدية في القطبين وفي جزيرة جرينلاند و ارتفاع في مستوى سطح البحر يؤدي إلى غرق مساحات واسعة جداً في معظم مناطق العالم، هذا إضافة إلى احتمال القضاء على الكثير من الكائنات الحية التي لا تستطيع التأقلم مع الواقع البيئي الجديد. وقد حذر من عواقب ذلك تقرير هام ومفصل، يقع في أكثر من سبعمئة صفحة، صدر مؤخراً عن الحكومة البريطانية.

- تلوث مياه العديد من الأنهار والبحيرات وانعدام الحياة في بعضها مما قلص من حجم مصادر المياه الطبيعية المتوافرة للاستهلاك البشري في حين أن هنالك حاجة لزيادتها باستمرار.

- استنزاف الكثير من الموارد الطبيعية بفعل السياسات الاقتصادية غير المتوازنة والتي يقتصر التخطيط لها على النظر فقط إلى حجم الأرباح المتوقعة للمستثمر.

- التصحر وتقلص المساحات الخضراء.

- ظهور أمراض وأوبئة لم تكن معروفة في السابق.

- ارتفاع نسبة الكثافة السكانية في المدن وزيادة معدلات الضجيج فيها.

- ارتفاع نسب البطالة في معظم دول العالم وارتفاع نسب الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية.

- ازدياد سعة الهوة بين الدول الفقيرة والدول الغنية وخلق بؤر توترات إقليمية ودولية تدفع إلى انتهاج سياسات تؤدي في النهاية إلى إلحاق المزيد من الأضرار بالبيئة.

كان للدراسات الكثيرة التي أجريت في النصف الثاني من القرن المنصرم، خاصة على مستوى البني الصغيرة أهمية كبيرة ليس فقط في الكشف عن تفاصيل لا حصر لها عن البيئة وعن ضرورة الحفاظ على توازناتها، وإنما في الكشف عن مدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه النشاط الإنساني، غير المسؤول، بها والذي قد لا يمكن تلافي تداعياته. كما كشفت هذه الدراسات عن جانب آخر مهم جداً وذا فحوى إنسانية.

وهو إن البيئة هي أحد أهم عناصر التوحيد للأمم المختلفة، وأن الاهتمام بها، قد أصبح أحد أهم الخصال الأخلاقية التي يتحلى بها الإنسان المتحضر، فالاهتمام بها مؤشر على الشعور بالمسؤولية اتجاه الأجيال القادمة والحرص على مستقبلها. فعبر الإدراك لأهمية التعامل بمسؤولية مع البيئة، إدراك من نوع جديد، للتواصل الحضاري المسؤول بين الماضي والمستقبل عبر الحاضر.

كما أشارت الدراسات البيئية إلى ضرورة تبني استراتيجية التنمية المستدامة في التخطيط، أي التوازن بين مقدار ما يُستهلك و مقدار ما يُنتج، دون التفريط بحقوق مئات المليارات من البشر الذين لم يولدوا بعد.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae