اقتبست قوات الاحتلال الأميركي في العراق الإجراءات العنصرية لنظيرتها الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، عبر تشييد «جدار فصل» طائفي حول جيب سني في بغداد، بحجة كسر حلقة العنف الطائفي، تصريحات الأميركيين تبدو كلها بديلاً من الاعتراف بالإخفاق الذريع أمنيا، لكن الهروب من الاعتراف إلى إقرار خطة تعمّق الكراهية بين العراقيين أمر شديد الخطورة، بحسب محللين يؤكدون أن العنف الدائر يومياً لا يمكن إسكاته إطلاقاً بهذه الطريقة الانعزالية.
يبدو أن الإدارة الأميركية قد استنفدت كل ما في جعبتها من حلول وأفكار للسيطرة علي الأوضاع في العراق، فلجأت إلى حليفتها إسرائيل طالبة النجدة، فجاءتها على شكل خطة لبناء أسوار تقسم أحياء بغداد، وتكرس الفصل الطائفي الذي دخل قاموس هذا البلد بشكل قوي في السنوات الأربع الماضية التي هي عمر الاحتلال.
سور الاعظمية الطائفي يهدف، حسب وجهة نظر الأميركيين، إلى وقف الهجمات الطائفية التي تشنها بشكل خاص فرق الموت التي أسستها ميليشيات الائتلاف الحاكم، ودعمتها وزارة الداخلية في الحكومات العراقية المتعاقبة.
لم تفلح الإدارة الأميركية في تحقيق نجاحات كبيرة في سياستها الخارجية الشرق أوسطية، وبما يتناسب والادعاءات التي أخذتها على عاتقها، خصوصا بالنسبة لمكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، كما بالنسبة لجلب السلام والاستقرار والازدهار إلى هذه المنطقة.
لكن هذه الادعاءات، التي تتطلب استمرار التشبث بالسياسة الأميركية المعتمدة، والتي ثبت إخفاقها، تعني أيضا الإيغال بإدخال المنطقة في المجهول، وفي مغامرات أو حسابات لا يمكن السيطرة عليها، أو حتى التكهن بتداعياتها أو عواقبها. لذلك فثمة أهمية كبيرة لإدخال تغييرات على السياسة الأميركية في المجالات التي ذكرناها آنفا، لصالح استقرار المنطقة، وحتى لصالح الولايات المتحدة ذاتها.
كانت الحياة الطائفية في العراق قبل الاحتلال الأميركي تسير وفق تناغم وطني ذابت فيه كل الطوائف في نسيج اجتماعي واحد فلم تكن هناك تفرقة بين الشيعة والسنة أو الأكراد أو المسيحيين أو حتى بعض فئات اليهود.. فقد كان العراق أولا وثانيا وثالثا.. وبالكاد يمكن التعرف على العراقي الشيعي أو السني أو الكردي فكلهم عراقيون..
أما اليوم وقد قامت الفتنة التي أذكت الطائفية في صفوف العراقيين فإن أصابع الاتهام تشير إلى الاحتلال.. والى التدخل الخارجي الذي بدأ يتكشف في عمليات الإبادة التي تتعرض لها الطوائف العراقية بشكل يومي وتعمل العناصر الإرهابية التي تتسلل إلى العراق على زيادة التوتر وخلق بلبلة تعيق كل الجهود من أجل إيقاف حمامات الدم التي ضاع ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء الذين لا حول لهم ولا طول..
وبدلا من أن يقوم الاحتلال بالعمل على استتباب الأمن وإعادة العراق إلى سابق هدوئه واستقراره شرعت قواته في إقامة جدار عازل للمنطقة السنية في بغداد.. وكأنها بذلك ترسخ للفصل العنصري الذي قامت به إسرائيل من خلال جدارها العازل في الأراضي المحتلة.. وهو عمل يكرس للطائفية، فاليوم سور الاعظمية، وغدا سور البصرة، وبعد غد سور الموصل، وبعد بعد غد سور كركوك وهكذا حتى يتحول العراق كله إلى باتسونات، او غيتوهات طائفية معزولة تغلق أبوابها في وجه الغرباء من الغيتوهات الأخرى.
لم تعد هناك هوية وطنية عراقية، وإنما هوية طائفية وأخرى عرقية، وثالثة مناطقية، ورابعة دينية، وخامسة عشائرية، العراق يتمزق، بل ويتشظي بطريقة مرعبة، وقد تكون بداية لتشظي المنطقة العربية بأسرها. هناك مثل انجليزي يقول إذا وقعت في الحفرة فإن أول شيء يجب أن تفعله هو أن تتوقف عن الحفر . ومن الواضح أن الرئيس بوش الابن لم يسمع بمثل هذا المثل، فمنذ ان سقط في حفرة العراق وهو مستمر في الحفر، حتى باتت أعمق من ان يستطيع الخروج منها، وهو ما جعله لا يتردد في بناء جدار الطائفية في العراق.
في المحصلة، لا تولد طائفية الحلول إلا طائفية النتائج. الفتنة المشتعلة في العراق تؤكد ذلك يومياً، وإذا نجحت الجدران كتكتيك أمني لا أحد يدري إلى متى سيعمر، فلاشك أنها ستقتل كل أمل وكل مخطط استراتيجي يتفاءل بمستقبل مستقر وآمن للعراق على المدى البعيد.
rf.oohay@landahneb