تدل الأحداث الإرهابية التي شهدتها المغرب مؤخرا، والكشف عن شبكات تجهز لعمليات عنف على أن المغرب أصبحت تواجه هي الأخرى خطر العنف الذي يمارس انطلاقا من خلفية دينية.
وهذه التطورات طرحت تساؤلات حول إمكانيات أن تتكرر في المغرب الأزمة الجزائرية، أي إن تدخل المغرب دائرة مفرغة من العنف والعنف المضاد. والحاصل أن المراقبين للشأن المغربي يخشون على منطقة المغرب العربي بكاملها بعد أن أعلن تنظيم القاعدة عن تواجده في هذه المنطقة منذ أسابيع قليلة وقيامه بتنفيذ عمليات في كل من تونس والمغرب والجزائر في وقت متقارب.
والحاصل أن هناك اختلافات جذرية بين التجربتين الجزائرية والمغربية تجعل أي مراقب يرى عدم إمكانية تكرار تجربة أي من الدولتين في الأخرى، ففيما يتعلق بالعنف الأصولي الذي شهدته الجزائر، كان رد فعل على التجربة الجزائرية في التحديث وهى تجربة وان كانت لم تتجاهل الدين بشكل واضح أو كبير إلا أن الإسلاميين هناك ومعظمهم خرج من عباءة جبهة التحرير الوطني رأوا أن هناك خطرا على الإسلام منها شكلوا تنظيماتهم لدرء هذا الخطر أو الحفاظ على هوية دولتهم.
ومن يتابع تطورات الأزمة الجزائرية التي بدأت تتعمق منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي سيرى أنها في داخلها أزمة الصراع على هوية الدولة بين عدة تيارات فكرية وسياسية منها التيار الديني والعلماني والوسطي الذي يقف بين التيارين ولم تفلح التوفيقية التي اتبعتها الدولة الجزائرية لم تفلح في حل أزمة الهوية. وقد لجأ احد التيارات المتصارعة أو جناح منها إلى العنف من اجل حل هذا الصراع.
على الجانب الآخر تختلف المغرب جوهريا عن هذه التجربة، حيث لم يحدث فيها أي صراع على الهوية. فمن جهة كانت المؤسسة الملكية متحالفة بقدر أو آخر مع المؤسسة الدينية، ومن جهة ثانية اكتسبت هذه المؤسسة قدرا كبيرا من شرعيتها من انتساب الملك إلى آل البيت وكانت سياسة الدولة تقوم في جزء كبير منها على التنافس مع الجزائر وكان احد أساليب هذا التنافس هو تطبيق نموذج بديل للتجربة الجزائرية سواء في السياسة أو شرعية الحكم أو التحديث، وهو ما يعني أن المقدمات المختلفة لابد وان تأتي بنتائج مختلفة.
يضاف إلى ذلك أن الاحتقان السياسي الذي شهدته الجزائر في ثمانينات القرن الماضي والتي أوجدت أجواء إنتاج الأزمة الجزائرية لم تتكرر في المغرب حيث تكيف نظامها السياسي مع معطيات متعددة وطبق تجارب سياسية مختلفة جنبت البلاد تكرار الأزمة الجزائرية ونقصد بهذه التجارب الانتخابات السياسية التي جرت فيها وشهدت منافسة حقيقية بين القوى السياسة الحقيقية في المغرب و حكومة التناوب التي طبقتها المغرب في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي والديمقراطية التعددية المفتوحة أكثر من التجارب المقيدة في باقي الدول العربية واللامركزية المحلية.
وعلى الرغم من أن الساحة الحزبية والسياسية المغربية لم تشهد تشكيل أحزاب على أساس ديني على عكس الجزائر التي شهدت تشكيل الجبهة الإسلامية للإنقاذ قبل حلها وكل من حركتي حماس والنهضة وكلها إسلامية بدرجة مختلفة عن الأخرى، فان ذلك يمثل مظهراً من مظاهر اختلاف التجربتين فقد خلت الساحة المغربية من أحزاب إسلامية لأنها لم تكن تستطيع أن تنازع المؤسسة الملكية على شرعيتها، فهي في هذه الحالة سوف تخسر من دون محالة.
يضاف إلى ذلك إن المغرب حينما وجدت ألازمة يمكن أن تنتقل إليها بسبب الاحتقان الذي يشعر به الإسلاميون سياسيا قامت بخطوة من شانها استيعابهم في النظام السياسي من خلال أحزاب قائمة فبعيد عن التمثيل الاجتماعي الخدمي الممثل في جماعة «العدل والإحسان» التي تعد أكبر الجماعات الإسلامية تأثيرا، فان السلطات المغربية سمحت للتيار الديني الإسلامي بالتواجد في البرلمان الحالي من خلال التحالف بينهم وبين حزب العدالة والتنمية الذي يعد اكبر الأحزاب المعارضة في البرلمان حاليا.
من هنا فان الخوف ليس فقط على المغرب في أن تتكرر فيها الأزمة الجزائرية وإنما الخوف هو على منطقة المغرب العربي ككل من طور جديد من العنف السياسي المستند لأساس ديني. فقد دلت الأحداث التي شهدتها تونس في بداية العام على أن خطر عنف الجماعات الأصولية لم بعد قاصرا فقط على الجزائر التي مازالت تعاني من عمليات «الجماعة السلفية للدعوة والقتال».
وإنما أصبح هذا الخطر ممتدا في كافة دول المغرب العربي، من ليبيا إلى الجزائر إلى تونس والمغرب وأيضا موريتانيا، حيث نفذت هذه الجماعة عمليات في كافة هذه الدول. وفيما يبدو فان الجماعة الجزائرية التي تعد هي الأقدم زمنيا من حيث التأسيس هي التي تتولى قيادة هذه الجماعات التي تنتشر في مساحة خمسة ملايين كيلومتر مربع أو أكثر، ويتحرك كوادرها ضِمن حدود طولها يُقارب عشرة آلاف كيلومتر.
وهذا الأمر يعني أن تنظيم القاعدة أصبح متواجدا في دول المغرب العربي بالنظر إلى الأحداث التي شهدها الربع الأخير من العام الماضي عندما أعلن أيمن الظواهري في شريط مصور بث في الذكرى الخامسة لاعتداءات 11 سبتمبر عام 2001 انضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية إلى القاعدة.
وقد لاحظ محللون لشؤون منطقة المغرب العربي أنّ خلايا الجماعة السلفية الجزائرية تحاول، منذ إعلان التحاقها رسمياً بتنظيم «القاعدة» في نهاية السنة الماضية، التخلي عن الاستراتيجية السابقة التي كانت تعتمد على إدارة عملياتها الإرهابية انطلاقاً من الجبال أو المناطق الريفية والمعزولة، والانتقال للعمل في المدن الكبرى، مما عزز القناعة بوجود رغبة في تحويل العمليات إلى «رعب» في وسط المدن، عبر تنفيذ عمليات استعراضية يكون لها صدى إعلامي كبير.
ونفس المحللين يربطون بين هذا التغير في الأسلوب والجغرافيا وبين قرب المنطقة المغاربية من القارة الأوروبية فيه ما يغري المجموعات الإرهابية الدولية بأن تجعل لها فيها قاعدة إرهابية، ولا يعنيها أن تدفع بلدان المنطقة الثمن من استقرارها وأمنها، إضافة إلى التأثيرات العاجلة والآجلة على مستقبل أجيال بأكملها. وكل هذه المعطيات تؤكد أن المغرب العربي بكامله قد دخل في مرحلة خطيرة من مراحل تطوره السياسي.
كاتب مصري