على ما يبدو أن إسرائيل أصبحت تتعامل مع التواجد الروسي في أزمات الشرق الأوسط على أنه أمر واقع لا مفر منه، وأنه يجب التعامل معه حتى لا يتحول إلى ما يشبه الدور السوفييتي السابق المؤيد تماما للعرب وشبه المعادي لإسرائيل، وتعلم إسرائيل جيدا أن هناك طرقاً مفتوحة وممهدة لموسكو في الشرق الأوسط الآن أكثر مما كانت عليه في الحقبة السوفييتية، حيث أصبحت جميع الدول العربية على علاقات طيبة مع روسيا.

ومنها الدول الكبيرة مثل السعودية التي تطورت علاقاتها كثيرا مع موسكو في الأعوام الثلاثة الماضية وبشكل بات يثير قلق الكثيرين في الغرب، أما فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي فقد تطور التواجد الروسي بدرجة كبيرة كشفت عنه مؤخرا الحرب الإسرائيلية في لبنان في الصيف الماضي، وأيضا علاقات موسكو بحركة المقاومة الإسلامية حماس .

وعلى الجانب الآخر العلاقات الروسية السورية وصفقات السلاح التي تمت بينهما في العامين الماضيين والتي أعطت النظام السوري ثقة وقوة كان يفتقدهما كثيرا أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية. وتأتي جولة سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي إيغور إيفانوف منذ أيام في إسرائيل وفلسطين كامتداد منطقي للسياسة الروسية الرامية إلى تفعيل دور روسيا في الشرق الأوسط.

وعادة ما تجري الزيارات على مستوى مجلس الأمن القومي وراء أبواب موصدة وهذا طبيعي. ولكن المواضيع التي طرحت على بساط البحث أثناء زيارة إيفانوف الأخيرة ليست سرا على أحد فهي تشمل كل ما يتعلق بالأمن الإقليمي: تسوية النزاع في الشرق الأوسط على كل مساراتها الثلاثة الفلسطيني والإسرائيلي واللبناني، والوضع في العراق، والبرنامج النووي الإيراني، وصادرات الأسلحة إلى المنطقة الخ.

ولم تأت الأنباء المعلنة عن الزيارة بمفاجآت كما توقع البعض، ولا بأية تطورات مثيرة ومفاجئة. ولم يعلن إلا عن المباحثات الروتينية وتنسيق المواقف حول كل ما تمليه ضرورة التفاهم بين روسيا والأطراف في الشرق الأوسط وخاصة بينها وبين إسرائيل.

فبالنظر إلى الصلات الوثيقة القائمة والمتطورة في الوقت الراهن بين موسكو والعالمين العربي والإسلامي كثيرا ما تبرز لدى إسرائيل تساؤلات تتعلق تارة بالتعاون النووي بين روسيا وإيران وتارة أخرى بالعقود العسكرية مع سوريا أو المفاوضات مع حماس. وفي ضوء ذلك كلما كثرت الاتصالات بين الجانبين الروسي والإسرائيلي تحسن التفاهم فيما بينهما. مع العلم بأن المخاوف والشكوك لدى إسرائيل تجاه المواقف الروسية لا تزال تكتنف بعض القضايا رغم كثرة الاتصالات والزيارات الرسمية بين الطرفين.

كان التركيز في البداية على التعاون الروسي الإيراني في المجال النووي، والذي بذل فيه الإسرائيليون جهودا كبيرة للحيلولة دون تطوره على مدى الأعوام الستة الماضية، وزار موسكو كافة رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبين منذ سنوات من الراحل رابين ونتانياهو وشارون وصولا لأولمرت، ولم تسفر هذه الزيارات عن نتائج إيجابية ترضي الجانب الإسرائيلي، ثم جاءت بعد ذلك قضية توريد الأسلحة الروسية إلى سوريا، والتي حاولت تل أبيب وواشنطن أيضا أن تقنع موسكو بأن هذه الأسلحة ممكن أن تقع في أيدي حركة حزب الله الشيعية في لبنان.

وهو ما حدث فعلا أثناء الحرب الإسرائيلية ـ اللبنانية صيف عام 2006، كما يقال، وكما اتهمت وزارة الدفاع الإسرائيلية على لسان وزيرها عمير بيريتس روسيا بشكل مباشر بأنها على علم تام بأن أسلحتها لسوريا سوف تصل لحزب الله وأنها لم تعترض على ذلك .

وقد أكد وزير الدفاع الروسي آنذاك سيرغي إيفانوف أن ملف تجهيز الأسلحة إلى حزب الله قد أغلق. وقال إيفانوف: «لقد تمت معالجة هذه القضية في جو من السرية (مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت) وأستطيع القول إن الجانب الإسرائيلي تلقى أجوبة كاملة ومسهبة ومستفيضة.

وأعتقد أننا أغلقنا هذا الملف»، ولكن بات واضحا الآن أن هذا ليس صحيحا تماما، وأن إسرائيل لم تقتنع تماما ببراءة روسيا من هذا الاتهام، فقد أثارت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني منذ أيام أثناء المباحثات مع إيغور إيفانوف مشكلة وقف توريد السلاح الروسي من سوريا إلى حزب الله. وروسيا لا تجادل إسرائيل وتوافق على أن تسليح حزب الله غير جائز ولكن ليس لها ضلع في هذا الأمر.

ولو اتبعنا هذا المنطق لاستطعنا أن نتهم واشنطن بأن السلاح الأميركي الذي يتدفق على الشرق الأوسط بكميات أكبر وبدرجة لا تقاس مع السلاح الروسي، من الممكن أن يقع بسهولة في أيدي المتشددين في العراق ولبنان وفي مناطق أخرى،ولا تستطيع إسرائيل أن تفرض أية رقابة على توريدات السلاح الأميركي للشرق الأوسط.

وعلى ما يبدو أن إسرائيل بدأت تستوعب الكثير في التعامل مع روسيا وتفهم جيدا الآن أن لغة الاتهامات لن تفيد لأن روسيا لو أرادت أن تفعل شيئا في الشرق الأوسط فسوف تفعله ولن تعير أي اهتمام لمواقف واشنطن وتل أبيب اللتين تستحوذان الآن على أكبر قدر من الغضب والنقد من كافة الدول والشعوب في المنطقة بسبب سياساتهما التي لا تطرح أية حلول للأزمات بقدر ما تزيد الأمور تعقيدا والأزمات اشتعالا، ولهذا فإن إسرائيل تسعى الآن وبجدية إلى تحسين علاقاتها مع روسيا، وإن كان الأمر ليس بدافع تفعيل الدور الروسي بقدر ما هو العكس تماما.

وتشهد زيارة إيغور إيفانوف لإسرائيل فيما تشهد بزيادة مستوى التفاهم والثقة بين موسكو والأطراف في المنطقة بما فيها إسرائيل والفلسطينيين. ويستدل على ذلك بطلب تل أبيب أن تتوسط روسيا في عدد من المسائل بما فيها تلك القضية الحساسة مثل الإفراج عن الإسرائيليين الذين وقعوا في أسر حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني صيف عام 2006.

وأكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي أثناء لقائه في القدس مع عائلات وأقرباء الجنود الإسرائيليين المخطوفين أن روسيا سوف تواصل المساعدة على إطلاق سراحهم، وقد حاول البعض بفضول أن يعرف كيف ستستطيع روسيا حل هذه المشكلة المعقدة، وهل لديها من النفوذ لدى حماس وحزب الله ما يسمح لها بذلك، ولكن سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي لم يوضح أي شيء واكتفي بالقول: «إنها قضية حساسة للغاية وقد يؤدي إفشاء أي تفاصيل زائدة عن اللزوم إلى الإضرار بها ولكن مما لا شك فيه أن موسكو تبذل قصارى جهودها لهذا الغرض».

ربما تستعين روسيا بعلاقاتها القوية بسوريا وإيران للمساعدة على الإفراج عن الجنود الإسرائيليين، وموسكو لا تسعى من وراء ذلك إلى إرضاء إسرائيل أو كسب ودها ولكنها تعتقد أن مساعيها هذه قد تخفف التوتر في الشرق الأوسط بشكل كبير.

وبهذا الصدد تعرضت اللقاءات التي أجراها إيغور إيفانوف مع قادة إسرائيل والسلطة الفلسطينية للبحث عن حلول وسط بين كل أطراف النزاع بالنسبة لمختلف المسائل المعلقة (من الإفراج عن أسرى الحرب وحتى تسوية مسألة اللاجئين وقضية الأمن الإقليمي عامة) وهي القضايا التي يتصور الكثيرون استحالة حلها، ولكن روسيا لم تكشف حتى الآن عن كل أوراقها التي ربما تكون من القوة بالدرجة التي تسهم بالفعل في تحريك هذه القضايا الشائكة تجاه الحل، خاصة وأن تعقيد هذه المشاكل وعدم حلها يقف دائما عقبة كبيرة دون تحقيق نتائج إيجابية في مسائل أخرى هامة وحيوية.

موسكو تعتقد أن كل هذه القضايا مترابطة ومتداخلة، وليس من الصعب حلها كلها مجتمعة إذا توافرت النية والسعي من الأطراف والدعم الدولي في الوقت نفسه وكما أعلن سكرتير مجلس الأمن القومي ـ أن ثمة عوامل تبعث على الأمل في مسيرة المفاوضات رغم المشاكل القائمة في المنطقة. وعلى رأسها النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي الذي يشكل في نظر موسكو مفتاحا لتسوية العديد من المشاكل الإقليمية الأخرى.

جامعة سيبيريا