أول من أمس رحل الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين بعد رحلة معاناة مع المرض الذي أصاب قلبه في بداية التسعينات والذي زاده هو بإدمانه للخمر وحالة السُكر البين التي اشتهر بها طيلة سنوات حكمه. هذا الإدمان والسُكر الذي كان مدعاة للخجل والإحراج الشديد لروسيا وشعبها، خاصة وأنه كان لا يستحي أن يخرج للقاءات رسمية وشعبية .

وهو سكران (طينة)، لدرجة أنه كان متوجها في زيارة رسمية لفنلندا عام 1994، ولم تستطع طائرته الهبوط به في مطار هلسنكي واضطر مرافقوه للعودة به إلى موسكو لأنه كان في حالة سُكر شديد لا تسمح له بالهبوط من الطائرة بعد أن احتسى كمية كبيرة من الخمر أثناء الرحلة التي لم تستغرق من موسكو لهلسنكي أكثر من ساعة واحدة لم يستطع فيها يلتسين الصبر على الخمر.

فضائح يلتسين مع الخمر والسُكر داخل روسيا وخارجها كثيرة، أشهرها في عام 1996 أمام البرلمان والشعب عندما توجه لحلف اليمين الدستورية بعد انتخابه رئيسا للمرة الثانية في المرحلة الثانية من الانتخابات التي كرست فيها المافيا ونخبة رجال الأعمال كل جهودهم وأموالهم لإنجاحه ضد خصمه الشيوعي جينادي زيوجانوف الذي كاد أن يفوز عليه في المرحلة الأولى، وشاهد الجميع يلتسين وهو يترنح على المنصة ولم يستطع إكمال خطواته ليقسم اليمين إلا بمساعدة حارسه الخاص كيرجاكوف ساتر فضائحه، والذي طرده يلتسين بعد ذلك بإيعاز من قادة عصابات المافيا.

لقد جاء يلتسين للحكم في روسيا المستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي رافعا كل الشعارات الأميركية من الحرية والديمقراطية والإصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي والخصخصة بلا حدود ورفع يد الدولة عن كل شيء حتى عن التعليم والصحة والعلوم والتكنولوجيا النووية وكل المجالات الحيوية، وكانت أولى نتائج الحرية والديمقراطية ضرب البرلمان وقصفه بالدبابات في نوفمبر 1993.

وإشعال الحرب في الشيشان، وانتشار الجريمة وعصابات المافيا التي سيطرت على الاقتصاد ومعظم مجالات الحياة، وكانت نتائج الانفتاح واقتصاد السوق الحر انهيار الاقتصاد الروسي وبرامج الخصخصة التي وضعت ثروات البلاد في يد مجموعة من رجال الأعمال الروس الجدد الذين ظهروا فجأة على الساحة الروسية ولم يكن لهم أي وجود حتى لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي.

هذه الخصخصة التي قدر البنك المركزي الروسي جملة خسائرها حتى عام 1999 بنحو ثلاثة تريليونات من الدولارات، وكيف لا بينما شركات النفط الروسية العملاقة التي كانت تقدر قيمة أصغر شركة منها بما لا يقل عن ستة مليارات من الدولارات كانت تباع بما لا يزيد على مائة مليون دولار.

لقد دفعت ديمقراطية يلتسين أكثر من نصف الشعب الروسي إلى ما دون خط الفقر حتى وصل الأمر إلى بيع الأمهات أبناءهن واضطرار الفتيات من حملة أعلى الشهادات العلمية للعمل في الدعارة، وهروب عشرات الآلاف من خيرة علماء روسيا للخارج، واضطر قادة وضباط جيش الدولة السوفييتية العظمى للوقوف على الأرصفة لبيع أوسمتهم ونياشينهم الوطنية من أجل الإنفاق على أسرهم، وغير ذلك الكثير مما لا يتسع المجال لذكره.

رحل يلتسين ولم يبكه أحد في روسيا، ولم يخرج لوداعه أكثر من مائة شخص من نحو عشرة ملايين من سكان العاصمة موسكو، ونعاه الزعيم السوفييتي جورباتشوف قائلا «رحل الرجل صاحب الأخطاء الخطيرة». لكن واشنطن وعلى غير عادتها في وداع الراحلين من الأجانب من أصدقائها نعت يلتسين بشدة، وكرست وسائل الإعلام الأميركية صدر صحفها وتليفزيوناتها للإشادة برجل الديمقراطية والحرية الروسية.

ونعاه البيت البيض بشديد الحزن والأسى (وربما بالدموع) لأنه الرجل الذي كاد أن يكلل جهود هدم الدولة السوفييتية العظمى بالقضاء على كل ما فيها من علامات القوة والتقدم والتطور، واعتبر أنصار الديمقراطية الأميركية في موسكو أن خطأ يلتسين الوحيد هو تسليم قيادة البلاد من بعده لبوتين، بينما قال أحد نواب البرلمان الروسي بالأمس إنه «إذا كان ليلتسين حسنة واحدة في حياته فهي تسليمه الحكم للرئيس بوتين الذي استطاع في السنوات السبع الماضية أن يصحح الكثير من أخطاء يلتسين الفادحة، ويعيد لروسيا كرامتها وهيبتها على الساحة الدولية»، وربما يكون هذا هو سبب حزن واشنطن ودموعها المزروفة على رحيل يلتسين .

elmoghazy@hotmail.com