تحتضن الدولة دعوات أممية من نوع جديد بتوجيه مجموعة دبي للذهب والمجوهرات نداء لتجار وصناع المجوهرات بتوحيد صفوفهم وشحذ هممهم لمواجهة التحديات التي تجتازها الصناعة في المرحلة الحالية، وهو ما يؤشرعلى التحولات النوعية التي يشهدها عالمنا المعاصر، ويبرز من بينها، عولمة الصناعات والخدمات، وبروز مراكز في مختلف بقاع الأرض تقوم بأدوار وظيفية تعبر عن ظاهرة العولمة التي تلف مختلف جوانب الحياة، ويناط بهذه المراكز مسؤوليات التكتيل والتعبئة للدفاع عن مصالح شرائح السوق المختلفة.

ما يحدث الآن هو أن مجموعة دبي للذهب والمجوهرات أصبحت تقدم نفسها كخط دفاع متقدم عن صناعة الذهب والمجوهرات ليس على المستويين المحلي والإقليمي، وإنما كذلك على المستوى العالمي، وبالتالي، تقوم بتعبئة الموارد والصفوف بهدف ترسيخ مفهوم العمل الجماعي بين مختلف المؤسسات والشركات والتجار المعنيين بالحفاظ على ازدهار وانتعاش الصناعة، وتعبئة الجهود في بوتقة واحدة لمواجهة المشاكل والتحديات المتنوعة التي تواجهها، وذلك عبر حلقاتها المختلفة بدءا من التعدين وحتى البيع للمستهلكين.

وتأتي هذه الدعوات الأممية في وقت خال فيه لبعض المفكرين أن الأيديولوجيات الأممية قد انتهت وأصبحت جزءا من التاريخ، وذلك بعدما انتصرت الأيديولوجية الغربية على الأيديولوجية الماركسية، ووصل العالم - بحسب نظرية نهاية التاريخ ـ إلى مرحلة سيطرة حضارة واحدة وهي الحضارة الغربية.

ويعيد نداء مجموعة دبي للذهب والمجوهرات إلى الأذهان النداء البروليتاري الماركسي الشهير والذي دعا فيه العمال إلى التوحد في معركتهم ضد البرجوازية، ويعبر الفارق بين النداءين عن التطور الذي لحق بمسيرة التقدم الإنساني، إذ صارت هناك خطوط قتال ومعارك وصراعات ولكن بطرق وأدوات ووسائل جديدة، وأصبحت مصالح شرائح معينة من السوق والصناعات تتجاوز الحدود الوطنية، وأضحى الدفاع عن هذه المصالح يتطلب تعبئة قوى وجهود جميع العاملين والمعنيين تحت مظلة واحدة تكون المعبر والممثل والمدافع عن هذه الصناعة.

ولم يأت تولي مجموعة دبي للذهب والمجوهرات أعباء ومسؤوليات هذا الدور من فراغ، بل انطلق من توافر مقومات على أرض الواقع، من شأنها أن دعمت ووطدت مكانة المجموعة في تطلعها لأن يكون لها دور عالمي في الدفاع عن صناعة المجوهرات. وتتمثل أبرز هذه المقومات في التطور الذي لحق بمكانة الدولة على صعيد ارتقائها سلم العالمية في مجال صناعة الذهب والمجوهرات، بحيث صارت تشكل منافسا للعديد من مراكز هذه الصناعة على مستوى العالم.

والأمر الأكثر أهمية هنا، هو استعداد مجموعة دبي للذهب والمجوهرات لتخصيص الموارد من أجل الدفاع عن مصالح تجارة وصناعة المجوهرات على مستوى العالم، وهو ما يتضح جليا في تنظيمها مؤتمرا سنويا تحت عنوان « دبي مدينة الذهب»، ويمثل هذا المؤتمر مناسبة لتكتيل وتجميع كبار اللاعبين في صناعة الذهب والمجوهرات للنظر في التحديات والمشاكل من أجل مواجهتها على نحو جماعي.

وربما خطت صناعة الذهب والمجوهرات في الدولة بخطي كبيرة نحو العالمية، وهو ما جعلها مركزا عالميا في الدفاع عن مصالح هذه الصناعة على المستوى العالمي، ولكن هناك صناعات وخدمات أخرى في الدولة تسير على نفس المسار، وينسحب هذا الأمر على قطاع خدمات الموانئ بتألق مكانة شركة موانئ دبي العالمية كمزود لخدمات إدارة الموانئ على المستوى العالمي، كما ينسحب على دور مركز دبي المالي العالمي كمزود للخدمات والمنتجات المالية لمختلف الأسواق في العالم.

ولعل هذه الصورة تدعو إلى استشراف مستقبل تكون فيه الدولة واحدة من المراكز الرئيسية للاقتصاد الخدمي على مستوى العالم، وبالتالي، يكون من الوارد أن تكون الدعوة الأممية الحالية التي تستهدف تجار الذهب والمجوهرات، مجرد بداية لاحتضان الدولة نداءات ودعوات أممية أخرى، ترمز إلى نهوضها بمسؤوليات ووظائف في إطار ظاهرة العولمة الاقتصادية التي يشهدها العالم في المرحلة الحالية، وهو ما يؤكد أن الدعوات والنداءات الأممية لن تختفي مع اختفاء الأيديولوجيات التعبوية، بل من المقدر أن نشهد مولد نداءات أممية من نوع مختلف، والأمر المهم هنا، ان تنطلق احدى هذه النداءات من منطقتنا ومن دولة الإمارات العربية المتحدة.