هذا الشخص الذي هو أمامي رأيته آخر مرة قبل عشرين عاماً مرت كأنها عشرون يوماً (فقط)! مع ذلك استطعت بالكاد إعادة ترتيب ملامحه التي تبدلت بسبب عوامل التعرية الزمنية. وككل اللقاءات التي تأتي بعد سنين طويلة تكون المصافحة ساخنة بعدد تلك السنين.
وطبعاً يكون الحديث عن الصحة التي تدهورت وعن الزمن الذي يمر بسرعة البرق مع العولمة (أصبحنا نعلق كل همومنا على مشجب العولمة)، ومن ثم يطرح كل منا على الآخر السؤال المعتاد التالي: (ماذا تفعل الآن؟)، فأجابني بأسرع من البرق (الحمد لله متقاعد) ثم أردف (دخلنا سوق الأسهم بكل ما ادخرناه طوال العمر لكي نصبح مليونيرية مثل الأقلية وخرجنا من سوق الأسهم فقراء مثل الأغلبية).
فقلت له خير لك وأنا لا أتمالك نفسي من الضحك، لأنه ذكرني بنادرة رواها الأصمعي بأنه لقي غلاماً صغير السن من أولاد العرب. فقال له: أيسرك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنت أحمق؟ فقال لا. قال الأصمعي: ولم؟ قال الغلام: مخافة أن يجني على حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى على حمقي. ذلك أن معظم من دخل تلك المغامرة دخلها دون خطة مدروسة وواضحة ودون استشارة ودون استراتيجية. فكانت الكارثة التي ذهبت بأرواح العديدين من أبناء المنطقة وبصحة الكثيرين في كل مكان.
بالأمس جلسنا جميعاً، حكاماً ومسؤولين وإداريين وأساتذة وطلاباً ورياضيين ومحامين وحتى موقوفين خلف قضبان السجون، نستمع إلى ملامح استراتيجية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وكما أن عشرين عاماً مضت على رؤية ذلك الصديق وكأنها عشرون يوماً فقط، خسر فيها كل ما جمعه طيلة حياته بسبب عدم اعتماده على التخطيط السليم .
وعلى ثقته بالربح السريع، فإننا نكاد ننسى بأن هناك سبع سنوات كاملة بشهورها وأيامها وساعاتها وثوانيها قد تسربت من بين يدينا كالرمل منذ يوم احتفالنا بدخول العالم الألفية الثالثة. لكن السؤال الأهم: ماذا ترى حققنا لأنفسنا خلال هذه السنوات السبع التي ولت دون رجعة؟ وماذا حققت هذه الأرض التي نعيش عليها ومنها وفيها منذ قيام الاتحاد؟ وماذا قدمنا نحن لها في المقابل؟
صحيح أن هناك مؤسسات قامت، وشوارع شقت، ومباني شيدت، ومدارس وكليات وجامعات أنشئت ومستشفيات وضعت تحت طلب وأمر المواطن وغير المواطن دون مقابل، إلا أن مخرجات تلك المؤسسات لم تكن بمستوى ما صرف عليها حتى الآن. فما زالت الأنظمة والوسائل والكفاءات التي تعتمدها بعض تلك المؤسسات تعود لأيام قيام الاتحاد قبل أكثر من 36 عاماً! وربما منها ما هو أقدم بكثير قد تعود لأيام العصر المسماري! وفي الوقت الذي يجري العالم فيه بسرعة البرق وفي عدة اتجاهات، نحن نمشي دون هداية ولا خطة ولا وسيلة.
أي أننا أقل بكثير من مستوى عقلية وذكاء البدوي الذي كان يعيش في الصحراء القاحلة. فهذا الأخير على الأقل يستخدم أحدث وسيلة نقل متوفرة في عصره وبما يتناسب مع بيئته وهو الجمل ويعتمد على خطة محكمة واضعاً في حسبانه اتجاه الريح وفصول السنة وأهمية الوقت والنجوم في قطع المسافات الشاسعة في صحراء لا توجد بها لوحات إرشادية زرقاء وبيضاء ولا خرائط رقمية ولا GPRS ولا كمبيوترات، وعرف كيف يقوم بتخزين التمر وتجميد الحليب وتجفيف السمك قبل اكتشاف المعلبات بآلاف السنين.
بينما نحن نخرج من بيوتنا ونسير في شوارعنا دون أن نعرف إلى أين نحن ذاهبون، فنسبب ازدحاماً غير مبرر، ونختار تخصصاتنا الجامعية دون أن نكون قد درسنا سوق العمل أو إمكانياتنا الخاصة، ونحارب بعد أربع سنوات من الدراسة الجامعية من أجل الحصول على وظيفة تافهة نظل في انتظارها عشرات السنوات أحياناً لا تسد حتى رمق العيش بينما الدولة تعوم على بحر من النفط الذي بفضله أصبح العديد من الأجانب والغرباء الفقراء بين ليلة وضحاها من بين كبار مليونيريات الشرق الأوسط، ونفتح سوقنا لعشرات الآلاف من المحلات المتخصصة فقط في نسخ المفاتيح(!) .
والحلاقة وكراجات تصليح عوادم السيارات ومطاعم الوجبات السريعة، فنتسبب في زيادة العمالة على أرض لا تحتمل كل ذلك الفوج من البشر الذين جاؤوا من كل حدب وصوب حلماً بالثروة وطمعاً في تسامح أهل هذا البلد، فانتشرت الجريمة وتضاعفت الشيكات بدون رصيد وفر المفلسون، ووجد المواطن ابن هذه البلد نفسه وعلى أرضه التي يلعب عليها الخاسر الأول والأخير، فإما هو خلف قضبان السجون أو أمام قلق الديون المتراكمة عليه أو عاجزاً عن استرداد حقوقه.
لقد جاءت تلك الاستراتيجية لكي تنفض عنا غبار الزمن وتزيل عنا خيوط العنكبوت. لقد نمنا تحت أشعة ضوء القمر، بينما العالم من حولنا في عراك وصراع مع الحياة. حتى تلك الدول التي سبقتنا في تقدمها التكنولوجي والإداري والصناعي والاقتصادي بمئات السنين لم تنم على وسائد من الحرير، وإنما ظلت تصارع الحجر والمدر من أجل البقاء ومن أجل التطور.
لم تكن ملاحظات صاحب السمو الشيخ محمد على عمل بعض المؤسسات مجرد نقد مبني على غير واقع. فالكل يعاني من (مكانك سر!) بالأحرى (خلفك سر!) والوقت يمر إلى الأمام بسرعة فائقة. أنا شخصياً قضيت أكثر خمس ساعات للذهاب من إمارة الشارقة إلى إمارة دبي لإنهاء معاملة واحدة فقط. وهناك مكاتب إدارية حديثة التأثيث تحولت خلال شهر إلى شبه مخزن فوضوي لملفات أصحاب العلاقة.
ويظل المسؤول يجول ويصول بسيجارته ليبحث عن ملف واحد اندثر بين آلاف الملفات المتراكمة في حجرة مساحتها مترين في مترين! وهناك مؤسسات غرقت في الروتين إلى درجة الإدمان. وهناك مؤسسات ضخمة بميزانيات أضخم ولكن ظلت حالتها الصحية متردية. وهناك إدارات لا تعرف لماذا هي موجودة ولا لأي هدف. وهناك أقسام لا معنى لوجودها غير القهوة والشاي المجاني. وهناك موظفون غير موجودين على مكاتبهم إلا في حالات شاذة. وكل يغني على ليلاه.
عمر دولتنا أكثر من 36 سنة. فنحن موجودون قبل 1971. وقبل عصر النهضة. والحفريات الأثرية تثبت أننا كنا موجودين زمن الفراعنة! فنحن بالتالي أقدم من كثير من دول أوروبا وشرق آسيا التي نحلم بالوصول إلى ربع مستواها! فكيف استطاعت اليابان وكوريا الجنوبية الوصول إلى ما وصلت إليه وهي لا تمتلك شيئاً غير الإرادة البشرية والتخطيط والاستراتيجية السليمة؟ وكيف وصلت ألمانيا خلال 20 سنة فقط من بعد هزيمتها وتدميرها في الحرب العالمية الثانية لتصبح دولة صناعية واقتصادية وحضارية وعمرانية عظمى؟
لماذا توجد في جزيرة كريت مثلاً وهي إحدى جزر البحر المتوسط الصغيرة شوارع وكهرباء وتصريف صحي تصل إلى قرى بعيدة جداً تقع على قمم الجبال الشاهقة وعلى ارتفاع 2000 متر فوق سطح البحر لأجل عيون عشرة مواطنين فقط، بينما لا تزال لدينا في وطننا الحبيب قرى ومناطق وأحياء مليئة بالسكان لا توجد بها لا شوارع ولا تصريف صحي ولا مياه صالحة للشرب؟ وكيف لا تزال توجد بدولتنا الغنية عائلات لا سكن لها ولا دخل؟!
إننا في حاجة لإعادة النظر في الوضع الذي نحن فيه. لا أحد ينكر بأن الدولة قد وفرت كل الإمكانيات التي تساعد على رفاهية المواطن وأمنه. ولكن السؤال هو في كيفية استخدام تلك الموارد؟ وعن دور الرقابة المالية؟ وعن ضمير المواطن الغيور على وطنه من الوزير إلى الإنسان العادي.
لقد سمحت الدولة بجلب أي عدد من الأيدي العاملة لبناء الوطن ولنهضته وليس لتدميره، إلا أن بعض (المواطنين) وهم للأسف الشديد في ازدياد مستمر استغلوا جواز سفرهم لتكوين ثروة هزيلة وغير شرعية بجلب أيدي عاملة لا ضرورة لها ونثرها كالثعابين السامة تسري وتمرح وتتكاثر في شوارع مدننا، ونقع في كل يوم نحن وأطفالنا وتقاليدنا ضحية لها.
كل هؤلاء محاسبون عن المسؤولية التي أوكلت إليهم. وكل مواطن يحمل جواز سفر دولة الإمارات العربية المتحدة مسؤول عن كل ذرة رمل من هذا الوطن لأجل حياته ومستقبل أبنائه وأحفاده. فتدمير بلدنا هو تدمير لأجيال أخرى قادمة في الطريق، أعمارهم تتراوح اليوم بين السنة والخمس عشرة سنة. فماذا سنترك لهم؟
الآن هناك ملامح استراتيجية واضحة. وملامح خطة واضحة. ولكن هناك على الأقل خطة يجب أن نسترشد بها. وتطبيقها يحتاج إلى موارد وإمكانيات خاصة. وحكام هذا البلد من رئيسه إلى إخوانه حكام الإمارات لن يرفضوا أبداً أي اقتراح أو طلب أو دعم يسند هذه الاستراتيجية وتطبيقها. ولكن على المسؤولين من وزراء ووكلاء ومديرين ورؤساء أقسام عدم الخوف من كشف الحقيقة المرة أمام هؤلاء الحكام ووضع الحلول لها. إن ثلاثة أرباع شفاء أي مرض هو كشف المرض ومسبباته. وربعه الآخر هو الدواء الذي يوصف له.
إن حكامنا جميعهم دون استثناء علمونا فتح أبوابهم وقلوبهم وصدورهم لنا على مدار الساعة. وهم من التواضع بما لا يمكن أن يصدقه أحد. لقد كان من بين طلبتي في الجامعة سمو الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان. كان بإمكان هذا الشيخ الذي كان جده ذلك اليوم رئيس الدولة ووالده اليوم هو أيضاً رئيس الدولة، كان بإمكانه أن يختار أرقى جامعات العالم ليدرس فيها. إلا أنه اختار جامعة الإمارات بمدينة العين البسيطة. والمبنى الذي كانت فيه محاضراتي يقع في منطقة المويجعي وهو موجود إلى اليوم.
وكان أساساً مدرسة قديمة متهالكة حولت إلى كلية الآداب سابقاً، ولم تكن مكيفة بشكل صحي. وكان هذا الشيخ يأتي إلى المحاضرة قبل الطلاب الآخرين. ويظل منتظراً خارج القاعة ولا يدخلها إلا بعدي! ولا يسأل إلا بعد أن يطلب الإذن بذلك. ولم يتخلف يوماً عن أي محاضرة ولا لأي سبب كان. ولا يخرج من القاعة إلا بعد خروجي منها، ولم يتذمر من سوء التكييف أو من بعد المسافة عن موقف السيارات في درجة حرارة تصل إلى أكثر من 50 مئوية في شهري مايو ويونيو... ولا من صعوبة الامتحانات!
أما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد فقد كان بالأمس واضحاً وشفافاً وصارماً وصريحاً وعفوياً معنا. وكان معنا كذلك لأنه ينتظر منا جميعاً أن نكون كذلك معه لخاطر عيون مستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة.
فمن ترى وصلته الإشارة؟
جامعة الإمارات