لم تحظ قضية البحث عن تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ نحو خمسة عشر عاماً باهتمام دولي وعربي، كما هو عليه الحال في هذه الفترة. من الواضح أن هذا الاهتمام يتأسس على قرارات مختلفة للتطورات الدولية والإقليمية التي توقفت بعد أحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وأدت نتائجها لتوفير قناعات ربما لم تتبلور بعد بشكل كامل لرؤية العلاقة بين الاستراتيجيات والمصالح العربية في هذه المنطقة الحساسة، وبين القضية الفلسطينية.
خلال المرحلة السابقة اشتغلت الولايات المتحدة أساسًا وبعض حلفائها انطلاقاً من قناعة بإمكانية وضرورة الفصل بين الملفات والقضايا التي ترسم لوحة لوضع عربي يتعرض للتفكيك، قبل إعادة «تجميعه» وفق مقتضيات وفي إطار مفهومها للشرق الأوسط الجديد، وبين ملف الصراع الفلسطيني والإسرائيلي. هذه الرؤية ومن موقع التحالف القوي مع إسرائيل ولخدمة مصالحها واستراتيجياتها كانت تفترض تجريد الملف الفلسطيني من كافة أبعاده وأوراق قوته، بحيث يصبح وحيداً، قابلاً للتكيف مع الرؤية الإسرائيلية للسلام.
تجريد الملف الفلسطيني كان يعني تحديداً فصل المسارات العربية التفاوضية مع إسرائيل، وإخراج لبنان من دائرة الصراع عبر حرب عدوانية شنتها إسرائيل عليه في يوليو العام الماضي، ويعني أيضاً تقليص الدور العربي إلى أدنى مستوى، وصولاً إلى فصل عملية تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية عن أي اتفاق ممكن للسلام وهو ما تسعى إليه إسرائيل.
يفترض تقليص الدور العربي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تقليص دور ومكانة الجامعة العربية، ومؤسسات العمل العربي المشترك، وبعد تعزيز البعد القطري، تنشغل كل دولة عربية في تناقضاتها ومشاكلها الداخلية، حتى لا يعود لأي دولة القدرة على مد يد العون لدولة أخرى، فالكل يصاب بأحد أنواع أمراض الانقسام والاحتراب، وتبديد إمكانيات الوحدة والتنمية خصوصاً وأن الساحة العربية تضج بكل أشكل التناقضات العرقية والطائفية والفكرية فضلاً عن التناقضات الطبقية وغيرها.
هذا الوضع يفترض تزايد العجز العربي الجماعي، والقطري عن مجابهة التناقضات والتحديات الداخلية المستفحلة، بحيث يصبح الحل الوحيد لتحقيق السلامة وحماية الأنظمة السياسية، هو طريق التعاون بهذا القدر أو ذاك مع القوى الدولية النافذة، خصوصاً الولايات المتحدة، التي لا تؤمن بالشراكة، وإنما تنتظر أن يأتيها الآخرون صاغرين راكعين بلا هوية ولا كرامة.
انطلاقاً من هذه السياسة، يندر أن نجد بلداً عربياً واحداً ينعم باستقرار معقول، فالأغلبية الساحقة من الدول العربية تتعرض لوباء وضربات الإرهاب كحد أدنى، وآخرها التفجيرات المتلاحقة والمتزامنة التي شهدها كل من المغرب والجزائر هذا فضلاً عن الملفات المعقدة والصعبة المفتوحة منذ بضع سنوات، بين فلسطين والعراق،والسودان، ولبنان، والصومال، والملف النووي الإيراني الذي يتداخل كثيراً مع الأوضاع الداخلية في عدد من البلدان العربية، فضلاً عن تأثيراته على الأمن القومي العربي.
آلة تفكيك الأوضاع العربية، اشتغلت كل الوقت أيضاً على تفكيك وإضعاف العامل الفلسطيني الذاتي، واتخاذ هذه العملية الأشكال التالية: أولاً: اعتماد مبدأ وآليات إدارة الأزمة إزاء جهود التسوية، بما يترك لإسرائيل الفرصة لإرهاق وإضعاف الكل الفلسطيني ابتداءً من المنظمة والسلطة، وفصائل المقاومة، واستعادة إسرائيل السيطرة على الأراضي الفلسطينية التي تديرها السلطة بموجب اتفاقيات أوسلو.
عملية السور الواقي في التاسع والعشرين من آذار 2002، عشية انفضاض قمة بيروت العربية، كانت النقلة الأوسع والأكثر جذرية وتأثيراً في هذا السياق الذي لم تتوقف مفاعيله حتى الآن. ثانياً: وضعية إدارة الأزمة وفرت لإسرائيل الوقت اللازم والغطاء الدولي لرسم حدود التسوية المستقبلية على الأرض، عبر ثلاث آليات.
الآلية الأولى بناء جدار الفصل العنصري الذي يبلغ طوله أكثر من سبعمائة كيلومتراً ويتلوى كالأفعى على حد تعبير الرئيس بوش، وبالرغم مما تدعيه إسرائيل من أن الجدار الذي تقيمه ذات أبعاد محض أمنية، فإن الواقع والوقائع تؤكد أنه يرسم الحدود الجيوسياسية داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1967 ويصادر الكثير من الأراضي.
الآلية الثانية تعتمد على توسيع الأراضي من الضفة الغربي التي يصادرها الاستيطان، وتسمين المستوطنات والتي ينوف عدد سكانها على ربع مليون مستوطن. أما الآلية الثالثة فتقوم على عزل القدس بالجدران والمعابر ذات الطبيعة الدولية، عن شمال الضفة وجنوبها، والإمعان في تهويدها عبر تغيير الميزان الديموغرافي لصالح اليهود، أو عبر تغيير معالمها الثقافية والحضارية والأثرية والتاريخية.
قبل لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت بالرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الأحد الماضي الخامس عشر من الجاري في القدس صدرت إشارات قوية من الجانب الإسرائيلي تتحدث عن إمكانية اعتماد تبادلية مكان عقد مثل هذه اللقاءات نحو أن تصبح مرة في القدس والأخرى في رام الله. إن الإسرائيليين الذين واظبوا على رفض مبدأ التبادلية والندية، يتطلعون لتكريس رام الله عاصمة للفلسطينيين مقابل القدس للإسرائيليين حتى لو تطلب ذلك من أولمرت أن يكون رئيس الوزراء الأول الذي يصل إلى رام الله منذ توقيع اتفاقيات أوسلو.
ثالثاً: اعتماد مشاريع تتوخى الفصل بين الفلسطينيين، فغزة تخرج منها قوات الاحتلال وتفكك المستوطنات فيما دون أن ترفع يدها عنها، تكون معزولة عن الضفة، وجنوب الضفة مفصول عن شمالها وعن القدس المفصولة عن كل الأراضي الفلسطينية فيما تخضع بقية مدن وقرى الضفة لعمليات عزل بعضها عن بعض في كانتونات ومعازل صغيرة، عبر أكثر من ستمائة حاجز ثابت وطيّار أو معبر.
رابعاً: تفكيك بنية المقاومة، تحت وطأة اتهامها بالإرهاب، ودفع حركات المقاومة والفصائل نحو التحول إلى حركات سياسية، مما يقتضي تشجيع السلطة على إجراء انتخابات، ودفع الجميع إلى إطار «الشرعية» والعمل السياسي في إطار التوجه العام للسياسيات الباحثة عن السلام.
إذا كانت هذه هي السياسة المعتمدة أميركياً منذ سنوات، فإن فشل سياساتها في العراق وأفغانستان، وفشل الحروب والعدوانات الإسرائيلية مما أدى الى تراجع مكانة إسرائيل وتضعضع قوتها، وما تلا ذلك من نصائح أوروبية أكدت ما جاء في استنتاجات لجنة بيكر هاملتون، كل ذلك وفر أرضية للحديث عن فرصة قوية للسلام في المنطقة.
إن إدراك القيادات الرسمية العربية لأبعاد الورطة الأميركية والإسرائيلية، وفر لهذه القيادات وهو ما ظهر في قمة الرياض وما يلغي من الدوافع لامتلاك إرادة العمل لدفع وتنشيط المبادرة العربية للسلام ، وتنشيط العمل العربي المشترك فضلاً عن تفعيل الدور العربي في معالجة بعض الأزمات والملفات الصعبة، هذا الدور الذي نجح حتى الآن في فلسطين والسودان.
على أن توفير فرصة قوية وحقيقية لدفع عملية السلام، يحتاج إلى عاملين أساسيين، الأول جاهزية الموقف الإسرائيلي، ورفع مستوى استعداد واشنطن لممارسة الضغط على إسرائيل التي لا يسمح وضع حكومتها القائمة، بتلبية الحد الأدنى من إرادة خوض غمار عملية السلام، وهي مهمة على الجهد العربي المشترك أن يتصدى لها بالتعاون مع أوروبا. انطلاقاً من ذلك فإن كثرة وتعدد اللقاءات الإسرائيلية الفلسطينية التي انعقد رابعها خلال هذا العام لا يشكل دليلاً على ارتفاع في مؤشر عملية السلام ذلك أن النتائج المحققة حتى الآن لا تزيد عن الصفر كثيراً.
كاتب فلسطيني