وجهت الإدارة الأميركية اتهامات إلى شركة (غاز بروم) بأنها تسعى لأن تصبح احتكاراً متعدد الجنسية، ودعت لإعادة النظر في جدوى التعامل معها بعقود طويلة الأجل. وقد أعرب ماثيو برايز نائب رئيس إدارة أوروبا في الخارجية الأميركية عن قلقه من محاولات (غاز بروم) لشراء شركات أوروبية وشبكات نقل الغاز الأوروبية. وترصد الخارجية الأميركية نشاط (غاز بروم) التي بدأت تسيطر على بعض قطاعات البنية التحتية لشبكات نقل الطاقة الأوروبية.

ونلاحظ أن الانتقادات والتحذيرات من توسع نشاط شركة (غاز بروم) لم تكن من جانب الإدارة الأميركية فقط، وإنما بدأت أساساً من المؤسسات الأوروبية التي ترى في تنامي نفوذ (غاز بروم) في مجال توفير الطاقة للمستهلك الأوروبي خطرا يهدد سيادة الدول الأوروبية، ولابد أن نتوقف عند محاولات الحكومة البريطانية لتعديل قانون بيع الشركات الصادر عام 2002، وإضافة مواد تمنحها حق إلغاء أو تجميد صفقات بيع الشركات في قطاع الطاقة، التي قد ترى فيها مخاطر أو تهديداً لمصالح بريطانيا.

وذلك عندما قررت شركة (غاز بروم) ، توسيع أعمالها في أوروبا الغربية، عبر شراء شركة (سنريكا) البريطانية التي تزود 6,12 ملايين مستهلك، وتبلغ حصتها في أسواق تسويق الغاز للمستهلكين حوالي 60%، كما تغطى 15% من احتياجات المؤسسات الصناعية والتجارية البريطانية، ويقدر رأس مال الشركة بحوالي 18 مليار دولار، إضافة إلى إنها تمتلك مليون منشأة صناعية بالطاقة ومحطات كهرباء في بريطانيا وبلدان أوروبية أخرى.

وقد تمكنت هذه الشركة من الدخول إلى الأسواق الأميركية في عام 2000، وحققت أرباحاً وصلت إلى 2,6 مليارات دولار أميركي عام 2004. وفى هذا السياق أثارت خطط (غاز بروم) لتوريد الغاز للمؤسسات الطبية البريطانية قلق بعض السياسيين، حيث قال حزب المحافظين إن روسيا لا يمكن أن تكون مورداً مضموناً للمؤسسات الطبية البريطانية واعتبروا أن هذا الاتفاق يهدد مصير المؤسسة العلاجية وحياة المرضى، وقد أعربت منظمة (طوارئ الصحة) عن قلقها من مشروع التعاقد مع شركة (غاز بروم) كمورد للطاقة إلى المؤسسات الطبية.

ولعل هذا أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى القلق من تنامي نشاط (غاز بروم) بل والدعوة إلى ضرورة إعادة النظر في جدوى التعاون طويل الأجل مع (غاز بروم) باعتبار أنها تشكل خطراً على المصالح الأوروبية، كما تحرض واشنطن الدول الأوروبية على حظر النشاط الاستثماري للشركات الروسية في أوروبا، وتوجه انتقادات حادة لهذه الدول باعتبار أنها لم تتمكن من التوصل إلى صياغة سياسة موحدة تحمي مصالحها.

وتعبر الولايات المتحدة بشكل صريح عن اعتراضها على سيطرة الشركة الروسية على شبكة أنابيب نقل الغاز من وسط آسيا، باعتبار أنها تمكن روسيا من تحقيق أرباح تصل إلى 200% من تكاليف الغاز، وتدعو واشنطن الدول الأوروبية لإقامة صلات مع تركمانستان وبقية الدول الآسيوية المنتجة للغاز بشكل مباشر ومساعدتها على التخلص من تبعيتها إلى روسيا في تصدير منتجاتها من الطاقة.

وقد تكون دعوة الولايات المتحدة إلى تكثيف الجهود الأوروبية للدخول إلى أسواق منتجي الغاز الآسيوية بشكل مباشر مشروعة، في إطار التنافس في أسواق الطاقة العالمية، إلا أن ترافق وارتباط ذلك، مع دعوات بحظر نشاط واستثمارات الشركات الروسية في أوروبا، واللجوء لإجراءات حكومية للتدخل في حركة السوق الحر لصالح احد الأطراف يقضي بشكل كامل على مضمون سياسات الاقتصاد الحر، ومبادئ التنافس الرأسمالي القائمة على احترام حقوق الأصلح، والأقدر على خدمة مصالح المستهلك.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن شركة (غاز بروم) كمورد طاقة للدول الأوروبية هي الأفضل، وبالرغم من كافة الأزمات السياسية التي تعرضت لها خطوط نقل الغاز إلى أوروبا، إلا أن المستهلك الأوروبي لم يعان من نقص في الطاقة. أكثر من هذا تمكنت الشركات الروسية من صياغة تعاون يحقق مصالح دول وسط آسيا المنتجة للغاز ومصالح مستهلكي الغاز الأوروبيين، لتوفر لأوروبا ضمانة جادة باستقرار عملية إمدادها بالغاز.

ومع ذلك تشن الإدارة الأميركية حملات متواصلة، لإقناع أوروبا برفض أنظمة توريد الطاقة المستقرة إلى أوروبا، واستبدالها بأنظمة جديدة، من غير المعروف إمكانية استقرارها، وقدرتها على ضمان إمداد الغاز للمستهلك الأوروبي. ويبدو واضحا أن السبب لهذه الدعوة لا يرتبط بما يتحدث عنه بعض السياسيين الأميركيين حول نفوذ روسيا السياسي في المنطقة، وإنما له علاقة مباشرة بالأرباح التي تعتقد واشنطن أنها من حق الشركات الأميركية. وهذا بالتأكيد لا يمكن أن يكون مبرراً لانتهاك قواعد السوق ومبادئ الاقتصاد الحر.

مما لاشك فيه أن التوجه الأوروبي الجديد لتوقيع عقود طويلة الأجل مع الشركات الروسية لتوريد الغاز، بعد أن بدأ الحديث حول أمكانية تشكيل احتكار دولي لمنتجي الغاز، يشكل السبب الرئيسي لتدخل واشنطن بشكل صريح في معركة إقصاء روسيا عن أسواق الطاقة الأوروبية، خاصة بعد أن وقعت اليونان عقوداً تمتد من عام 2016 ـ 2040، كما وقع عدد من الشركات النمساوية العام الماضي عقود مماثلة مع روسيا للفترة من عام 2012 ـ 2027، ومع شركة الغاز الفرنسية عقوداً تمتد حتى عام 2030، ومع شركة (إيني) الإيطالية للفترة من عام 2017 ـ 2035.

وقد منحت هذه العقود شركة (غاز بروم) إمكانية التعامل مباشرة مع مستهلك الغاز الأوروبي. حيث حصلت الشركة الروسية على حق بيع 3 مليارات متر مكعب في ايطاليا سنويا بشكل مباشر للمستهلك، وفى السوق الفرنسية يمكن أن يصل حجم تعامل (غاز بروم) مع المستهلك الفرنسي إلى 5,1 مليار متر مكعب سنويا. ويزعم معارضو التعامل مع موسكو أن الكرملين سيستخدم الغاز كأداة للضغط على الحكومات الأوروبية التي تزداد تبعيتها للطاقة الروسية، ويعتبرون أن ما حدث مع أوكرانيا وجورجيا مثال حي على نوايا موسكو، وأساليب الكرملين في فرض إرادته السياسية.

لقد أصبحت حرب الغرب ضد (غاز بروم) تثير الدهشة لأنها لا تستند لأسس واقعية في الاعتراض على عمل الشركة المذكورة، وتتمحور انتقاداتها حول تنامي دور ونفوذ (غاز بروم) ، بل تتحدث هذه الانتقادات عن أرباح الشركة، ومما لاشك فيه أن هذه الانتقادات تثير الدهشة لأن أي شركة تحقق نجاحات في عملها لابد وأن يتنامى نفوذها وتزداد أرباحها، ولكن يبدو أن الغرب لا يمنح هذا الحق للشركات الروسية، ويستخدم حججاً وذرائع على غرار أن هذه الشركات أدوات لتحقيق أغراض الكرملين السياسية،

ويتناسى المحللون الغربيون أن هذه الشركات تعود ملكياتها إلى رجال أعمال لهم مصالح، وليسوا بهذه السذاجة لكي يضعوا أموالهم وثرواتهم وشركاتهم تحت إمرة أهواء سياسية لهذا الطرف أو ذاك، ثم ما هو المبرر أو المصلحة المباشرة لهؤلاء لكي يضعوا ثرواتهم تحت أمرة السياسيين، ما هي العائدات التي سيحصلون عليها؟ أم أنهم يفعلون ذلك من قبيل المحبة لهذا السياسي أو ذاك؟

لقد أصبح المنطق الأميركي عبثياً بشكل فاضح، لان طرد الشركات الروسية من إيران، وفرض هيمنة الشركات الأميركية على أسواق الطاقة النووية استوجب حملة دولية لفرض حصار عملي على منتجات روسيا في هذا القطاع، وفى نفس الوقت تنامي النفوذ الروسي في أسواق الغاز لاعتبارات متعددة، منها امتلاكها لأكبر شبكة أنابيب لنقل الطاقة تربط بين مصادرها في وسط آسيا والمستهلكين في أوروبا، إضافة لامتلاكها لمنابع نفط وغاز توفر لأوروبا أكثر من 30% من احتياجاتها.

ويبدو أن المسالة لم تعد تعتمد قواعد السوق ومبادئ الاقتصاد الحر، وإنما أصبحت تقوم على مبدأ امتلاك القوة، ومن يمتلك القوة يملي شروطه بصرف النظر عن قدراته الاقتصادية وتطور قاعدته الصناعية والإنتاجية.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا