كنت خلال إحدى زياراتي الرسمية إلى بريطانيا في إحدى المؤسسات المتميزة في مجال الموارد البشرية للتعرف على تجربتهم في هذا المجال، وكان أول شيء قاله مدير الشركة عندما وقف أمامنا وقد بدا عليه الإرهاق: «متى وصلتم إلى لندن» فقلنا له بالأمس، فرد قائلا: «أما أنا فقد وصلت قبل بضع ساعات من سيدني، والحمد لله على وجود طيران الإمارات الذي نقلني من أستراليا إلى بريطانيا في توقف واحد فقط في دبي... ولولاه لكنت الآن ميتاً من التعب وملقى على ظهري في احد المطارات الآسيوية».
أحسست عندها بالفخر عندما يقف مدير إحدى أفضل الشركات الأوروبية والتي حصلت مؤخراً على جائزة المنظمة الأوروبية لإدارة الجودة ويقول لي بأنني أتيت من بلد به شركة هي إحدى أفضل الشركات في العالم، والتي تعمل في قطاع معقد وتشوبه الكثير من العراقيل الاقتصادية والسياسية والتقنية.
في عام 1985 وبالتحديد في يوم 25 أكتوبر انطلقت من دبي طائرتان يتيمتان من طراز بوينغ 737 وإيرباص B4 300 إلى الهند وباكستان، وكانتا تتبعان شركة اقترضت 10 ملايين دولار لتسير عملياتها اليومية... وبعد مرور 20 سنة فقط على ذلك التاريخ أصبحت هذه الشركة من أكثر الشركات نجاحاً في العالم إلى درجة أن شركات الطيران العالمية وقفت جنباً إلى جنب لمنعها من التحليق عالياً، ولكن دون جدوى.
فقبل سنتين تقريباً تقدمت شركة طيران «كوانتس» الاسترالية بشكوى لدى الحكومة لتمنع زيادة طيران الإمارات لرحلاتها إلى أستراليا من 49 رحلة في الأسبوع إلى 83 رحلة، معتبرة ذلك إضراراً بالشركات الوطنية الاسترالية وتهديداً «للاقتصاد الوطني». وبالرغم من ذلك تقوم طيران الإمارات باستثمارات سياحية في استراليا تفوق استثمارات الشركات الوطنية، وتوفر للاستراليين آلاف الوظائف الذين هم في أمس الحاجة إليها.
لقد استطاعت شركة طيران الإمارات التي تعمل في صناعة تردت أحوالها وكسدت سلعها بسبب ارتفاع أسعار النفط أن تحقق مكاسب مالية واستراتيجية عالية حيث بلغت عائداتها المالية للسنة الماضية أكثر من 23 مليار درهم ووصل صافي الأرباح إلى قرابة مليارين ونصف المليار درهم، فاتهمها روبرت ميلتون رئيس شركة «إير كندا» وغيره بأنها تتلقى دعماً من حكومة دبي - بالرغم من أن طيران الإمارات لا تسير رحلات إلى كندا - الأمر الذي نفاه الاتحاد الدولي للطيران بعد اطلاعه على وثائق الشركة وتقاريرها المالية.
وفي هجوم عنيف على طيران الإمارات من قبل رئيس مجموعة طيران فرنسا - كي إل إم في اجتماع لمدراء شركات الطيران في طوكيو قبل عام واتهامها بأنها تتلقى مساعدات حكومية أيضاً رد المدير التنفيذي لطيران الإمارات قائلا: «إذا أردت أن تعرف كيف تنمو طيران الإمارات بهذه السرعة فانظر إلى خريطة العالم، وسترى أن 5,3 مليارات نسمة أي نصف سكان العالم يبعدون عن دبي 4 آلاف ميل فقط».
وبالرغم من هذه الاتهامات قامت حكومة دبي بمنح شركات «اير لينموس» و«فيرجي» و«اتلانتك» ترخيص تسيير رحلاتها من وإلى مطار دبي، والتي تعتبر منافسة من طراز مختلف لطيران الإمارات.
تعزي الشركة نجاحاتها إلى أربعة عوامل رئيسية أولها إعادة استثمار أرباحها في شراء أحدث الطائرات وأنظمة الملاحة الجوية حيث تقدر استثمارات الشركة في طائرات البوينغ فقط 121 مليار درهم خلال السنوات الثماني المقبلة، أي ما يعادل شراء طائرة كل شهر، ناهيك عن صفقة طائرات الإيرباص A380 التي بلغت 15 مليار دولار والتي تعد أكبر صفقة في تاريخ قطاع الطيران.
ثانيها هو اهتمام الشركة بتدريب مواردها البشرية وتطويرهم بشكل منتظم ومستمر حيث أصبحت تمتلك اليوم كلية تدريبية مزودة بوسائل تعليمية حديثة، بالإضافة إلى تميزها بنظام تدريبي وتطويري للطيارين منذ تخرجهم من المدرسة وحتى وصولهم إلى رتبة طيار. ثالثها هو إنشاء الشركة لنظام إلكتروني يعد الأول من نوعه في العالم، حيث استطاعت الشركة بفضل هذا النظام من أن تدير عملياتها بطريقة فريدة لم تستطع أي شركة أخرى مجاراتها فيها.
ورابعها هو التزام الشركة بمعايير التجارة العالمية التي مكنتها من الانطلاق من الشرق الأوسط ولكن بفكر عالمي، واليوم يعد طيران الإمارات أول طيران يصل بين شرق الولايات المتحدة واستراليا في توقف واحد، وفي كل ست دقائق تقلع أو تهبط طائرة تابعة لطيران الإمارات في إحدى البقاع المأهولة أو المقفرة حول الكرة الأرضية... ومن نافلة القول أن نذكر بأن مطار دبي هو المطار الوحيد في العالم الذي يستطيع نقلك إلى أي بقعة في الأرض من خلال توقف واحد فقط.
ولم تكتفِ طيران الإمارات بهذه النجاحات، فلقد ساهمت في بناء إمبراطورية تجارية من خلال الشركات التي أطلقتها للمساهمة معها في قيادة قطاع الطيران العالمي، فهناك شركة «سكاي كارجو» التي تشحن أكثر من مليون طن سنويا إلى ثمانين وجهة عالمية، وكلية الإمارات للطيران التي تحتوي على أحدث الأجهزة في مجال تدريب الطيران،
والإمارات للمشتريات، والإمارات للتموين التي يعمل بها أكثر من 4800 موظف وتقدم أكثر من 68 ألف وجبة في اليوم وتقدم خدماتها إلى شركات أخرى غير طيران الإمارات. والإمارات للهندسة التي تقدم خدمات الصيانة لأكثر من 30 شركة طيران عالمية،
ومما لا يعلمه الكثير بأن شركة «ايمكويست» صاحبة أنظمة الحجز الإلكترونية والتابعة لطيران الإمارات تستخدم في معظم مكاتب وشركات الحجوزات في الإمارات وعمان والبحرين وقطر وباكستان والهند وأن شركة «ميركاتور» التابعة لطيران الإمارات أيضاً والتي تقدم خدمات الدعم التقني (IT) هي من أكبر الشركات في العالم حيث تقدم خدماتها للطيران البريطاني والنيوزيلندي والماليزي والكوانتس الأسترالي والطيران السنغافوري والسريلانكي والجنوب أفريقي وغيرها من الشركات.
لقد استطاعت طيران الإمارات أن تنفرد بقيادة قطاع اقتصادي هو من أهم وأصعب القطاعات العالمية، وهو أيضاً قطاع عصفت به وما زالت فترات ركود أدت بالعديد من الشركات العالمية للابتعاد عن ميدان المنافسة والبقاء في دوامة تسديد القروض المالية التي تفاقمت فوائدها في محاولة منها للحفاظ على هيبة الدول التي تمثلها. وبذلك استطاعت «الشركة الشرق أوسطية» أن تثبت أنه من خلال الإدارة الجيدة والطموح وعدم الرهبة من مقارعة الكبار تستطيع أي دولة عربية كانت أم أوروبية أن يكون لها موطئ قدم في الاقتصاد العالمي.
عندما زار وفد طيران الإمارات سنغافورة عام 1987 للحصول على ترخيص لتسيير رحلات الناقلة إلى هناك، لم يستمر الاجتماع لأكثر من 5 دقائق وقفل الوفد عائداً محملاً بالترخيص وبطموحات كبيرة، وما أن وصلوا إلى دبي حتى بدأوا بالعمل على وضع خطة مستقبلية لاقتحام السوق الأسيوي البعيد... وفي مقابلة أجريت مؤخراً لرئيس الطيران المدني السنغافوري «ليم هوكر سان» والذي كان أحد الرجال الستة عشر الذين تحلقوا حول طاولة الاجتماع للتفاوض مع وفد طيران الإمارات قبل عشرين عاماً قال: «ليست القضية هي أن طيران الإمارات ربحوا وأننا خسرنا، ولكن الأهم من ذلك أنهم نموا أسرع بكثير مما تصور الجميع».
كاتب إماراتي
yasser.hareb@gmail.com