أبرز ما يميز الواقع اليومي الذي يعيشه الشعب العراقي، وخاصة في العاصمة بغداد، هي مظاهر العنف التي لا يستطيع العراقيون أنفسهم أن يستوعبوا بعضها لغرابتها عن ثقافتهم وبُعدها عن تقاليدهم التي لم تغب عنها المروءة، إلا نادراً، في مفاصل سوداء طارئة من تأريخهم الطويل.
فالشارع العراقي يشهد في الوقت الحاضر وحشية غير عادية تسهم في صياغة تقاليد دموية يُخشى من استمرارها، ويشهد قسوة غير مسبوقة يمكن أن تصبح مثالاً نموذجياً، لدى من يهتم بدراسة السلوك البشري، لما يمكن أن يصل إليه الإنسان من همجية حين يفتقد إنسانيته، ويشهد كراهية غير عادية تمزق المجتمع وتؤسس لعصر أسود قادم يستند إلى ثقافة الحقد.
ثلاثة عناصر بشعة: الوحشية والقسوة والكراهية، تشترك معاً في أداء رقصة جنونية تتنقل حلبتها من مكان إلى آخر لتحصد أرواح الناس دون تمييز وتسهم في تنفيذ استراتيجية تدمير شامل للعراق، أرضاً وشعباً وتأريخاً، استراتيجية لا تعرف الرحمة ولا تستثني أحداً من ميزة السكن في المقابر والاستكانة إلى صمتها الرهيب، استراتيجية لا يستسيغها عُرف ولا تقرها شريعة، استراتيجية يتبرأ منها حتى أكلة لحوم البشر، تتبرأ منها كل الأديان والمذاهب، إستراتيجية يأنف من الانتساب إليها أي عراقي ولد ورضع من أثداء النهرين الخالدين دجلة والفرات، يأنف من الانتساب إليها أي عراقي لم يتلوث بأدران الانتماء الضيق الأعمى إلى العرق أو المذهب.
هموم يومية ينوء بها كاهل معظم العراقيين وقلق دائم لما قد يأتي به الغد يؤرقهم، ومصائب عمت على الكثيرين جداً إلا أن وطئتها لم تصبح أقل ثقلاً على أحد منهم، ومع ذلك فما جرى ليس نهاية المطاف، فالأسوأ لمّا يصبح بعد خلف ظهور العراقيين.
هنالك مستويات للهموم ومستويات للقلق، كما أن المصائب، هي الأخرى، تقع في مستويات مختلفة، ومن المؤسف أن لا نجد طريقة علمية لتحويل هذه الهموم والمصائب إلى لغة الأرقام كي يطلع العالم على هول ما جرى ويجري على أرض العراق من صراعات يدفع الأبرياء حياتهم قرابين لها، فليس أمامنا غير الإشارة إلى عدد الضحايا الذي يتعاظم مع الأيام في حلبة الرقص الجنوني على أنغام شيطانية.
يتساءل الكثيرون عن الوسيلة أو الوسائل للخروج من المأساة التي يمر بها العراق، ومن غير ريب هنالك سيناريوهات طرحت في هذا السياق اصطدم بعضها بإرادات قاهرة رافضة، ووجد بعضها الآخر مكاناً للاستقرار في أحد الأدراج المهملة، إذ يبدو أن الوقت لم يحن بعد لإفلات العراق من قبضة العذاب، والموت لم يرتو بعد من دماء أبنائه.
لنا أن نتوقف قليلاً قبل أن نرجح أحد السيناريوهات على غيره لنتساءل عن أسباب ما جرى ويجري في العراق فليس من المنطق أن نعزو كل ذلك إلى وجود قوات الاحتلال، فالأحداث التي أوصلت العراق إلى هذا الوضع المزري قد صنعتها بالدرجة الأولى عقول وأيادٍ عراقية، فقوات الاحتلال لم تدخل لوحدها إلى العراق، كما أن الأعداد الهائلة من الضحايا لم تسقط بنيران قوات الاحتلال فقط.
يعيش الشعب العراقي في حالة تمزق اجتماعي خطير بدأ منذ فترة طويلة قبل سقوط النظام السابق، وقد تجلى هذا التمزق في تخندقات بعض قوى المعارضة العراقية في الخارج والتي تحولت إلى واجهات عرقية ومذهبية اكتسبت شعاراتها زخماً متزايداً بتأييد الكثيرين الذين ينقصهم الوعي لتفهم عمق الأزمة العراقية وما قد تفرزه في حالة خروجها عن الطوق الذي لا سيطرة بعده على تداعياتها.
وقد دفع ذلك بعض القيادات القليلة الخبرة في العمل السياسي والتي ينقصها بعد النظر، دفعها إلى الغرور والمكابرة بسبب الأعداد الغفيرة من الأتباع الذي يحتشدون خلف شعاراتها أو دعواتها متناسية بأن خمسينات وستينات وسبعينات القرن المنصرم قد شهدت مسيرات ومظاهرات مليونية في شوارع بغداد تردد شعارات حزب معين أو تهتف بحياة قائد معين، ثم تبين لاحقاً بأن هذه الجماهير الغفيرة تفتقر إلى الوعي السياسي ولا تتفهم ما قد يترتب على ما تردده أو تهتف به، فقد ذابت وغيرت ولاءاتها في أول اختبار حقيقي لها. فتجمع أعداد غفيرة من الناس وتظاهرهم والقيام بأعمال العنف خلف شعارات تزينها إسقاطات واقع معين آني التأثير، سطحي المعنى، هزيل المحتوى، لا يعكس واقعاً يعول عليه في رسم مسار حركة سياسية.
إن الأزمة العراقية لم تنشأ بشكل عفوي أو اعتباطي بعد انهيار النظام السابق، فجذورها تكمن في الثقافات السائدة لدى بعض الشرائح من المجتمع العراقي، وهي ثقافات لا تقبل التسامح، أدامت التشرذم حول الرموز التي ورثوها من خلال تأريخ قد لا تصمد الكثير من مفاصله أمام قسوة الاختبار المنطقي لمفرداته وسيرورته وإفرازاته، إلا أنها راسخة بفعل هيمنة القوى التي صنعت هذه الركائز الثقافية منذ زمن بعيد، والحريصة على إدامتها فذلك إدامة لمصالحها.
إن دراسة الأحداث منذ سقوط النظام السابق واستعراض نتائجها لا يترك مجالاً للشك بأن المشروع الأميركي في الشرق الأوسط لنشر الديمقراطية قد فشل، فقد شهدت السنوات الأربع الماضية ترديا مستمرا في أوضاع العراق على مختلف المستويات. ولعل أكثر ما يسبب الإحباط للولايات المتحدة هو أن حلفاءها هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن فشل مشروعها، فقد وضعوا نصب أعينهم، خلال هذه الفترة، الحصول على المكاسب والغنائم التي تناثرت مع سقوط النظام السابق ولم ينتبهوا إلى أن الوطن نفسه قد أصبح منسياً في حمأة البحث عن الفتات في رماد محرقة يلقى بالعراق تدريجيا في أتونها.
وفي الوقت الذي تترنح العملية السياسية الجارية في العراق مع ترنح الحكومة العراقية الرابعة التي تشكلت بعد الاحتلال ويستمر العراق في الانحدار نحو مستقبل مجهول، تلاقي سياسة الرئيس الأميركي في العراق مقاومة متزايدة داخل الولايات المتحدة نفسها أكثر مما تلاقيه من دول الجوار العراقي المتوجسة والمشككة بحقيقة النوايا الأميركية و التي تقف شامتة وهي ترى المشروع الأميركي يتدحرج على سلالم الهزيمة.
لقد فشل الفرقاء العراقيون في إعادة اللحمة إلى بلدهم وفشلت الولايات المتحدة في مشروعها المعلن عن الشرق الأوسط الكبير وفشلت السياسات التي قيدت جميع الحلول للأزمة العراقية بالإرادة الأميركية بعد أن تردت الأوضاع الأمنية في العراق إلى درجة أصبحت تثير أشد القلق لدى دول الجوار التي بدأت تضيق ذرعاً بالأعداد الهائلة من النازحين إليها، وبعد أن وجدت الأمم المتحدة بأن عليها أن تتدخل لضرورات إنسانية لمساعدة رعايا بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم نزحوا إلى أماكن أخرى وليس معهم شروى نقير.
فقد وجه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في السابع عشر من الشهر الجاري في ختام مؤتمر دولي حول الأوضاع الإنسانية للاجئين العراقيين نداء إلى الدول المجاورة للعراق طالباً فتح حدودها أمام الأعداد المتزايدة من اللاجئين الهاربين من بلدهم.
إن أزمة العراق بالدرجة الأولى هي فقدان الثقة بين الفرقاء والتشكيك المتبادل بطبيعة نوايا البعض إزاء البعض الآخر، كما أن العراق يفتقر في هذه المرحلة إلى الزعامة التأريخية، التي تنبثق عادة في المفاصل المهمة من حياة الشعوب لتفرض نفسها على المسرح السياسي شامخة متعالية على الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي أو الفئوي أو المناطقي.
هنالك ضرورة قصوى لسحب الملف العراقي من الأيدي التي تمسك به في الوقت الحاضر وتكليف منظمة الأمم المتحدة بمعالجته قبل أن يفوت الأوان، فاقتصار دور هذه المنظمة الدولية على الاستجابة المتأخرة لبعض تداعيات الوضع في العراق لا يتفق مع الهيبة التي تتمتع بها ولا يتناسب مع التزاماتها إزاء المجتمع الدولي الذي يشهد بخجل فاجعة بلد ألقي في أتون محرقة قد لا تنطفئ.
كاتب عراقي
majamal@emirates