يُعد القيام بالأمر ذاته مراراً وتكراراً وتوقع الوصول إلى نتيجة مختلفة تعريفاً عملياً ممتازاً للجنون. ولكن هذه هي حال سياسة أميركا الفاشلة التي وضعت للأطفال الفقراء. على امتداد الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، كنا نتبع بصورة رئيسية الأفكار العقابية الصادرة عن الجانب اليميني من حياتنا السياسية، الذي يسيطر في هذا العهد المحافظ. لقد اخترنا استثمار العقاب في مجال النتائج والتبعات بدلاً من تعليق الآمال على العناية المسبقة.

والنتائج الآن تتمثل في: زيادة معدلات الفقر، وزيادة عدد الذين يُزجون في السجن وزيادة التكاليف. إن الأمر لا يسير على ما يرام. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كنا قادرين على التعلم من فشلنا من عدمه.

انظروا إلى ألاباما، بعد أربعة عقود من المسيرة من سيلما إلى مونتغومري. لم تعد هناك تفرقة قانونية. فالأميركيون من أصول إفريقية لديهم الآن حق التصويت. ولكن الفرصة المساوية لا تزال حلماً مؤجلاً.

في ألاباما، لا يزال الفقر واسع الانتشار، حيث إن واحداً من كل أربعة أطفال تمت تنشئتهم في ظروف الفقر.

ويعيش 44% ـ أي قرابة النصف ـ من جميع الأميركيين السود والأميركيين اللاتينيين، تحت خط الفقر. ولكن ليس لأنهم كسالى. وإنما لأن ثلث الوظائف في ألاباما هي في حدود تجعل العاملين فيها تحت خط الفقر. وتحتل ألاباما أدنى مرتبة تقريباً في كل فئة تتعلق بالصحة العامة. حيث تحتل المرتبة 47 في معدل وفيات الصغار. وهذا الأمر سيء بالنسبة للعائلات التي لها عائل واحد، وكذلك فيما يتعلق بنسبة الصغار الذين يعيشون في ظروف الفقر.

ومع سيطرة المحافظين على كلا الحزبين، فإن الولاية لا تفعل إلا القليل في مجال الاستثمار المسبق بالنسبة للحياة: مثل العناية قبل الولادة، وتغذية الأطفال، وتوفير دروس أقل في المراحل الأولى، ومعلمين أكفاء. كما أنها مررت إلى بنود أخرى ملايين الدولارات المتاحة للعناية الصحية بالأطفال تحت الرعاية الصحية للأطفال أو برنامج البرمجة اللغوية.

ولكن الولاية تستثمر في العقاب الدافع لليأس. والسكان الذين زُجوا في سجون الولاية يزيد عددهم على 27 ألف سجين وهو ما يزيد على قدرة استيعاب سجون ألاباما بمرتين. حوالي ثلثي السجناء هم أميركيون من أصول إفريقية، مع وجود سود سجنوا بمعدل يفوق خمس مرات نظراءهم البيض. وواحد من كل أربعة من الذكور الأميركيين من أصول إفريقية تقريباً سيقضي بعضاً من الوقت في السجن.

وهذا ليس بسبب جرائم عنف. فحوالي 84% من السجناء ارتكبوا جرائم غير عنيفة، متعلقة بالمخدرات بالدرجة الأولى، ويكلف هذا الأمر كثيراً. فتكلفة الإنفاق على كل طالب في التعليم الابتدائي والثانوي في الولاية تصل إلى حوالي 60% مما يكلف احتجاز سجين سنوياً. وتكلفة التعليم في جامعة حكومية لطالب مقيم في الولاية تبلغ حوالي ثلث تكلفة قضاء عام في السجن. وتدفع ألاباما الملايين لاحتجاز السجناء في ولايات أخرى، في الوقت الذي لم تتم فيه تلبية الاحتياجات للاستثمار في التعليم.

إن الالتزام بالعقوبة له تأثيره السياسي الفرعي. فأربعون بالمئة من السكان السود الذين وصلوا إلى سن تسمح لهم بالتصويت محرومون من حق التصويت بسبب سجلاتهم الإجرامية. وانتصار دكتور كينغ العظيم المتعلق بضمان حق التصويت قانوناً يتلاشى على أرض الواقع.

ويعم التمييز هذا النظام. وعلى الأرجح فإن الذكور الأميركيين من أصل إفريقي سيوقفون ويخضعون للتفتيش، والأكثر احتمالاً أن يتم القبض عليهم إذا أوقفوا، وربما يتم اتهامهم إذا تم القبض عليهم، وعلى الأرجح أن يتم سجنهم إذا تمت إدانتهم، إن الأميركيين من أصول إفريقية محاسبون على كل شيء. وهكذا تجري الأمور في ألاباما.

والآن فإن النظام ينهار على نفسه. ليست هناك أماكن فارغة في السجون. وميزانية السجون الآن تضغط على ميزانية التعليم. والقضاة والساسة المحافظون يكافحون لاكتشاف طرق لإطلاق سراح المذنبين الذين لم يرتكبوا جرائم عنف في وقت مبكر من عقوبات السجن الطويلة لكي تتوفر أماكن للقادمين الجدد. كما أن هناك جيلاً آخر يتم جره إلى الفوضى نفسها.

يجب ألا تجري الأمور على هذا النحو. فهذا ليس علم صواريخ. نعلم جيداً أن الفقر يهم الجميع، وخصوصاً فقر الأطفال. يميل أبناء الجامعيين إلى الالتحاق بالجامعات. وأبناء الأغنياء يميلون إلى البقاء في الصفوف الدراسية. وأبناء الآباء العاملين يواجهون تحديات أكبر وأكبر لجمع المال ليتيح لهم التعلم. أما أبناء الفقراء فإنهم ينسحبون من التعليم مبكراً بأعداد كبيرة.

بمقدور ألاباما، وأميركا، أن تستثمرا في الأمل على العناية المسبقة بدلاً من ذلك. العناية قبل الولادة، وتعليم الأبوين، وتغذية الأطفال، والعناية اليومية، والمعلمون الأكفاء لأكثر الأحياء عنفاً، ودروس أقل في المراحل الأولى، برامج بعد التخرج من المدرسة، يمكن لهذا الأمر أن يمنح الكثيرين بداية جيدة، ويتيح فرصة للنجاح. وهذا من شأنه أن يكلف أقل ويقدم مواطنين منتجين ومجتمعاً أفضل إلى حد بعيد.

لماذا لا نستثمر في الأمل؟ إن الساسة قلقون في أفضل الأحوال. كثير من الناخبين يعدون متشائمين ولا يعتقدون أن هذا الأمر ينجح. والآخرون غاضبون. فهم لا يريدون أن يهدروا أموالهم على «هؤلاء» الأشخاص. وهم لن يقولوا عاقبوا الطفل بسبب خطايا أمه، ولكن هذا هو الحاصل. إن مجمع السجن الصناعي أصبح بمثابة لوبي قوي الآن، ويريد إثارة المخاوف بشأن الجريمة لتبرير توسيع الميزانيات.

وفي نهاية الأمر، فإن الطريقة الوحيدة لتغيير هذا الأمر هي انضمام ذوي الضمائر الحية إلى العاملين الفقراء للمطالبة بمنهج جديد. ولن يكون هذا الأمر سهلاً. ولكن من المؤكد أنه سيتغلب على ما فشلنا فيه ويجعلنا نتوقع نتيجة مختلفة.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»