الأزمة التي تعيشها أوكرانيا الآن والتي بدأت في مطلع الشهر الجاري بقرار الرئيس يوشينكو بحل البرلمان، هذه الأزمة تنذر بالفعل بكارثة تاريخية ستلحق بهذه الدولة أشبه بكارثة يوغوسلافيا وما سيحدث في العراق وغيرها من البلدان التي وضعت على قائمة مخطط التقسيم الغربي الذي يستهدف دائما تفتيت الدول الكبيرة التي يصعب السيطرة عليها في ظل صراعات وموازين القوى الدولية.
أوكرانيا بطبيعتها الجغرافية والسكانية والاقتصادية تنقسم لقسمين، قسم شرقي كبير تسكنه نسبة لا تقل عن 80% من السكان، وقسم غربي صغير يسكنه الباقون، والقسم الشرقي هو القسم الأغنى صناعيا واقتصاديا ويتركز فيه أكثر من 80% من اقتصاد الدولة، بينما القسم الغربي تجاه أوروبا زراعي فقير يعتمد على القسم الشرقي، ويميل سكان القسم الشرقي سياسيا واقتصاديا وثقافيا لروسيا،
حيث يرتبط اقتصاد هذا القسم بشكل كبير بالاقتصاد الروسي بحكم العلاقات والروابط منذ زمن الاتحاد السوفييتي، وبشكل عام فإن الاقتصاد الأوكراني مرتبط بشكل أساسي بالاقتصاد الروسي، وأكثر من نصف مصانع أوكرانيا تعتمد في مصادرها وتقنياتها وأيضا على تسويق إنتاجها على السوق الروسية،
وهناك روابط عقائدية وتاريخية تربط الشعبين بقوة فهم تاريخيا شعب واحد، ولكن هناك في الغرب من يسعى وبجدية لزرع القسمة والخلافات بين روسيا وأوكرانيا، وهذا ما شاهدناه بوضوح في الانقلاب الذي اصطلح على تسميته بالثورة البرتقالية في نوفمبر عام 2004، والتي ثبت بالوقائع والأدلة المادية وحتى باعترافات بعض قادتها أنها كانت مدعومة ماديا ومعنويا من واشنطن.
لقد حمل البرتقاليون للشعب الأوكراني أحلاما وآمالا وردية من حرية وديمقراطية وانفتاح على أوروبا ومستقبل مشرق لا يقل عن مستوى أكبر الدول الأوروبية، وهتفت واشنطن للثورة البرتقالية ووقف ساستها يطلقون الشعارات والوعود بالدعم والمساعدة، وتم تحريض قادة الثورة البرتقالية بشكل واضح على موسكو، ومضت الأيام والشهور، ومضى أكثر من عامين ولم ير الشعب الأوكراني شيئا من الغرب، وكان على موسكو أن تتحرك ولا تصمت على هذا التجهيل والاستخفاف بدورها في دعم الشعب الأوكراني، فكانت أزمة الغاز التي وقعت في يناير من العام الماضي،
والتي هددت فيها روسيا بقطع الغاز عن أوكرانيا إن لم يدفع الأوكرانيون ثمنه بالسعر العالمي بعد أن كانوا يتلقونه بأقل من سعره داخل روسيا نفسها، وبات الشعب الأوكراني مهددا بشتاء وصقيع بارد لا يتحمله، وبات الاقتصاد الأوكراني مهددا بالانهيار تماما أمام احتمال إغلاق السوق الروسية في وجهه، وانتظر الأوكرانيون من الغرب أن يفي بوعوده بالمساعدة والدعم ولكن شيئا لم يحدث.
وكانت النتيجة أن آفاق الشعب الأوكراني من التضليل الغربي،وعاد لصوابه ليمنح المعارضة في الانتخابات البرلمانية في مارس العام الماضي أصواته لتحقق أغلبية ساحقة تسيطر بها على البرلمان وتشكل الحكومة ليرأسها فيكتور يانكوفتش حليف موسكو الذي احتفل البرتقاليون عام 2004 بالإطاحة به، ووجد الرئيس البرتقالي يوشينكو نفسه وحيدا بعد أن أصبح البرلمان والحكومة من معارضيه،واستشعر الخطورة في أنه لن يستطيع الاستمرار في الحكم طويلا وسيأتي اليوم الذي يطاح به فيه،
وعاد يوشينكو يستشير أنصاره من البرتقاليين فلم يجد بجواره سوى رفيقته في قيادة الثورة البرتقالية رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكا التي تكن عداء وكراهية شديدة لروسيا وتكن حبا وولعا كبيرا بالغرب وخاصة بواشنطن وتناشد شعبها بأن يصدق الوعود الأميركية ولا يلتفت لروسيا لأنها ستعيده للقهر والاستبداد والفقر الشيوعي.
الرئيس يوشينكو أصدر قراره بحل البرلمان،وترك الأمر لرفيقته الزعيمة البرتقالية تيموشنكا التي أطلقت التصريحات الحادة التي اتهمت فيها الأغلبية البرلمانية بالإفساد ونهب الثروات ووضع الاقتصاد الأوكراني في يد الروس، وقالت تيموشينكا أنها تستنجد بالولايات المتحدة باعتبارها أقوى حليف وأقرب صديق لأوكرانيا وأيضا بالأوربيين ليمدوا العون لأوكرانيا في هذه الأزمة المصيرية، وقالت أيضا أنها تسعى لإقناع شعبها بأن مصلحتهم مع الغرب وليست مع روسيا،وناشدت المستثمرين الغربيين أن يتوجهوا باستثماراتهم لأوكرانيا، وقالت «إن روسيا سوف تمحو هويتنا إذا أشاح الغرب بوجهه عنا ولم يساعدنا في هذه المحنة الصعبة».
تيموشينكا التي لم ينل حزبها الذي يحمل اسمها في الانتخابات البرلمانية الماضية أكثر من 3% من الأصوات فقدت أي أمل في العودة للسلطة إلا بالانقلاب والإطاحة بالأغلبية البرلمانية.
الأغلبية البرلمانية المكونة من حزب «الأقاليم» الذي يتزعمه حليف موسكو يانكوفيتش والحزبين الاشتراكي والشيوعي التزمت التهدئة وتراجعت عن قرارها بسحب الثقة من الرئيس يوشينكو مقابل تراجعه عن قرار حل البرلمان، وصرح يانكوفيتش بأنه يخشى تدهور الأمور إلى صدام في الشوارع،
بينما يرى الكثير من المراقبين أن البرتقاليين لا أمل لهم حتى في الفوز في الانتخابات التي يريدون إجراءها قريبا، وأنهم يسعون لتصعيد الأزمة إلى أقصى حد من الصدام بهدف حث القوى الدولية على التدخل لتنفيذ مخطط معد مسبقا سيكون الأسوأ في تاريخ أوكرانيا وهو تقسيم البلد قسمين أحدهما غربي موالٍ للغرب وواشنطن وبنسبة سكان لا تزيد عن 20% والآخر شرقي موالٍ لروسيا بنسبة أكثر من 80% من السكان، وهو المخطط الذي سيجعل من أوكرانيا الغربية بعد ذلك شوكة كبيرة في ظهر روسيا تأتي منها المشاكل والأزمات والاضطرابات وتعسكر فيها قوات حلف شمال الأطلسي.
الكريملين في موسكو يلتزم الهدوء والتحفظ في التصريحات ودعوة الأطراف للحوار والتهدئة بينما المعارضة الروسية في البرلمان تطالب بالتدخل لعدم السماح بضياع أوكرانيا واستيلاء الغرب عليها وزرع حلف الناتو قواته فيها، وتؤكد قيادات المعارضة الروسية على أن الأزمة وليدة جهود وتدبير واشنطن والقوى التي تسعى لضم أوكرانيا لحلف الناتو، وقادة المعارضة البرتقالية جميعهم أدوات في يد واشنطن ولا تهمهم مصالح الشعب الأوكراني ، ويطالبون بألا تقف روسيا مكتوفة الأيدي تجاه ما يحدث لأن شعوب أوكرانيا وروسيا كلها شعب واحد، ولا أمن ولا أمان لروسيا وشعبها إذا وضع الغرب يده على أوكرانيا أو على جزء منها .
لقد احتشد عشرات الآلاف من أنصار المعارضة في الميادين، والأزمة تتصاعد وتهدد بالصدام، وموسكو لا تريد التدخل المباشر، على الرغم من أن جهات معادية لروسيا تدخلت ووعدت بدعم البرتقاليين، وإذا ما زادت الأمور عن حدها فسوف تشهد أوكرانيا في الأيام القادمة أزمة حادة وربما صدامات قوية، بل إن البعض يرى بأن هناك مخططا لاندلاع حرب أهلية لا تنتهي إلا بتقسيم أوكرانيا، ويرجح هذا الرأي أن أنصار البرتقاليين لا أمل لهم في أي مستقبل في أوكرانيا إلا بالقوة نظرا لرفض غالبية الشعب لهم،
فالمعركة بالنسبة لهم يكونوا أو لا يكونوا، الأمر الذي قد يدفعهم لتصعيد الأزمة إلى حد عدم السيطرة عليها داخليا مما يدفع واشنطن والأوروبيين للتدخل بالمخطط المعد سلفا وهو التقسيم، ولكن هل ستقبل روسيا التقسيم لأوكرانيا، لا أحد يستطيع أن يتكهن من الآن بردود فعل موسكو إلا أنها بالقطع لن تقف مكتوفة الأيدي مثلما فعلت من قبل في البلقان عندما وقف يلتسين صامتا أمام مخطط تقسيم يوغوسلافيا وإضعاف الصرب الذين كانوا يضعون على موسكو آمالا كبيرة، وأوكرانيا بالقطع ليست مثل يوغوسلافيا البعيدة، وضياع أوكرانيا بالنسبة لروسيا لن يكون النهاية بل سيكون بداية المتاعب والمشاكل الكبيرة، ولهذا فلابد من حسم الأمور بجدية وقوة من الآن قبل فوات الأوان.
كاتب ومحلل سياسي روسي