تمثل أحداث العنف التي شهدتها الجزائر الأسبوع الماضي نقلة نوعية في مسار تطوراتها السياسية خلال الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت انحساراً في العنف الذي تمارسه الجماعات الأصولية مثل الجماعة الإسلامية المسلحة والجماعة السلفية للدعوة والقتال التي غيرت اسمها منذ أسابيع إلى «قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي ».

والنقطة الأساسية التي تستدعيها هذه التفجيرات تتعلق بأنها هزت أركان النظرية التي يروج لها النظام الجزائري حول انه استطاع إعادة الأمن والأمان للدولة مرة أخرى. وهذا الأمر هو الذريعة التي لجأ إليها النظام من اجل إجراء تعديلات قانونية على هيكل الدولة تسمح جعلت مؤسسة الرئاسة هي المؤسسة المركزية في النظام السياسي، ونفس الأمر هو الذي أعطى للرئيس عبد العزيز بوتفليقة المسوغ الموضوعي من لتعديل الدستور بما يسمح له بالترشيح لولاية رئاسية ثالثة.

والسؤال الأساسي الذي تطرحه هذه التفجيرات يتعلق بما إذا كانت عملية واحدة تتوقف بعدها عمليات العنف لفترة طويلة. أم أنها تمثل عودة مرة أخرى بالجزائر إلى المربع رقم واحد من أزمتها، اي ان الجماعات العنيفة استعادت قوتها بما يسمح لها بأن تقلق الدولة الجزائرية وهو ما يؤثر على العديد من الملفات السياسية مثل الانتعاش الاقتصادي الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت إلى الجزائر في الأعوام الثلاثة الماضية وغيرها من الملفات التي جعلت النظام يرى انه حقق نجاحات أدت إلى تجاوز الجزائر أزمتها الداخلية الطاحنة.

وإذا كنا بالطبع لا نستطيع تقديم إجابة حاسمة على اي من هذه الأسئلة، فإننا نستطيع إن نستشرف الإجابة من أحداث شهدتها الجزائر خلال الفترة الماضية بالنظر إلى أنها وان كانت خطت خطوات واسعة تجاه الخروج من الأزمة، فإن بعض قوى نظامها السياسي تصور ان هذا الأمر جاء نتيجة لعوامل لها صلة بالسلطة المسيطرة متجاهلا البيئة التي تمت فيها عملية المصالحة الوطنية التي حدثت فيها.

والمتابع لتفاصيل ما يحدث في الجزائر سيرى إن النجاح في تخفيف حدة العنف أدى إلى استقواء بعض الأطراف على الأحزاب المعارضة وعلى أجنحة في الحكم وأيضا على التنظيمات التي التزمت بقانون الوئام المدني. وهذا الاستقواء أدى إلى انحسار القاعدة السياسية للنظام الأمر الذي فسره المحللون بأنة بمثابة تراجع عن كثير مما تم منذ بداية عام 2001 حتى الآن. وهذا التحليل أشار إلى ان هناك قوى في جهاز الدولة غير راضية عن التمديد لولاية ثالثة للرئيس. وهذه القوى يمكن ان تغض الطرف عن عمليات عنف تهز الثقة في الحكم حتى تنسف محاولاته في ان يحكم سيطرته على الدولة أكثر من ذلك.

ومن المهم الإشارة إلى ان عدم تنفيذ بعض ما جاء في قانون الوئام المدني، قد يكون سببا قويا في ان الجماعات التي مازالت تمارس العنف استطاعت انطلاقا من ذلك كله ان تجند المزيد من الشباب في تنظيمها ساعد على ذلك أنها أصبحت الوحيدة التي تصطدم بالدولة الجزائرية بعدما ألقى الجيش الإسلامي للإنقاذ السلاح وبعدما ضعفت الجماعة الإسلامية المسلحة ووهنت. اي ان النتيجة الأساسية التي يمكن استخلاصها من كل تجربة النظام الجزائري خلال الفترة الماضية هي انه لم يستطع أن يجفف منابع الجماعات الأصولية الأمر الذي يهدد بأن تتجدد الأزمة الجزائرية مرة أخرى ما لم تتخذ السلطة الإجراءات الاجتماعية الكفيلة بتجفيف منابع العنف.

والمتغير الجديد الذي طرأ على الجزائر في الفترة الماضية يتعلق بالتواجد المعلن من تنظيم القاعدة في الجزائر في إطار تحالف جماعي يضم أكثر من جماعة تونسية وليبية وموريتانية ومغربية كانت تعمل كل منها بمفردها في دولتها. وهذا المتغير يعنى انه ان التنسيق اللوجستي بين هذه الجماعات أصبح أكثر أحكاما فيما بينها، في الوقت الذي لم يعد هناك أي تنسيق أمني بين الدول المعرضة للخطر على خلفية تجميد الاتحاد المغاربي. وهو الأمر الذي أوجد ثغرة أمنية استطاع تنظيم القاعدة استغلاله وتنفيذ عمليات في كل من تونس والمغرب والجزائر خلال الأشهر الأربعة الماضية.

ويضع التنظيم الأممي الجزائر في مقدمة أولوياته انطلاقا من ان العصب الأساسي له في المنطقة مكون من الجماعة السلفية للدعوة والقتال وهي بالأساس جماعة جزائرية. ومن سياق الأحداث التي شهدتها الجزائر مؤخرا تتسرب معلومات حول انضمام كوادر سابقة في الجيش الإسلامي للإنقاذ إلى الجماعة السلفية قبل ان يعلن زعيمها مبايعته لأسامة بن لادن.

وتسربت معلومات عن انضمام نجل علي بلحاج احد قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الجماعة السلفية وانه حمل رسالة من والده، وهذا الأمر إن صح يعطي دفعة قوية للجماعة ويشجع قيادات أخرى في الإنقاذ على الانضمام لها، ولم ينف بلحاج ما تسرب من معلومات وان كان أعلن ان ابنه قد اختفى متهما الأمن الجزائري بخطفه.

وكل هذه المعطيات تؤكد ان أحداث الأربعاء 11 ابريل هي مقدمة لتطورات قد تكون عصيبة، خاصة وأنها جاءت في وقت تستعد الجزائر لإجراء انتخاباتها التشريعية في 17 مايو المقبل في غياب القوى الأساسية في الساحة الجزائرية، بما قد يعطي قوة نسبية لجماعات العنف. فالدولة بسياستها واستقوائها أدت إلى استعادة الاحتقان للنظام السياسي، وفي علم الاجتماع السياسي كلنا يعرف ان مثل هذا الاحتقان يدفع قوى مهمشة في النظام السياسي إلى اللجوء إلى العنف كوسيلة للتعبير عن وجودها ومحولة منها لنزع الاعتراف بالشرعية.

من هنا يمكن القول ان الجزائر في مفترق طرق يمكن أن يتحدد الاتجاه الذي سوف تسير فيه بناء على طريقة استجابة النظام للتحدي الجديد وهذا كله يتوقف على ما إذا كان سيلجأ إلى السياسات الكفيلة بتوسيع قاعدته السياسية والاجتماعية أم انه سيترك الأمور لتعيد إنتاج أزمة ظننا جميعا ان الجزائر استطاعت الخروج منها.

كاتب مصري