الوزير الأميركي الأسبق هنرى كيسنجر منذ أيام قليلة في حديثه لطلبة الأكاديمية الصينية للعلوم تحدث عن الصين كعملاق كبير ينمو بسرعة ويهدد العمالقة الموجودين على الساحة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وركز كيسنجر في حديثه على النمو الاقتصادي المتسارع للصين وتواجدها الحيوي في الأسواق العالمية،
والحقيقة أن حديث كيسنجر عن الصين لا يختلف كثيرا عن حديثه عنها منذ السبعينات والذي كرره في أكثر من موضع ومناسبة على مدى ثلاثة عقود مضت، ولكن ماذا حدث طيلة هذه السنوات الطويلة وماذا تحقق من تنبؤات وتوقعات كيسنجر؟
الواقع أن الصين حققت نموا اقتصاديا كبيرا بالمقارنة بوضعها الأيديولوجي كدولة شيوعية، ولكن هل حققت الصين نفس المستوى من التقدم على الجانب السياسي بالشكل الذي يمكننا من أن نطلق عليها وصف القوة العظمى القادمة؟.
القوة الاقتصادية بالقطع مطلوبة وأساسية، لكنها ليست العنصر الأساسي والرئيسي في تكوين الدولة العظمى، ولا تمنح القوة الاقتصادية بمفردها الدولة المكانة السياسية الكبيرة على الساحة الدولية، وإلا كانت اليابان هي القوة العظمى المنافسة باعتبارها صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم،
ولما كان للاتحاد السوفييتي أن يحتل مكانة القوة العظمى الثانية في العالم طيلة نصف قرن من الزمان رغم أن اقتصاده كان شبه منهارا طيلة هذا النصف قرن. لقد اعترفت الولايات المتحدة بالصين عام 1972 ووافقت على جلوسها بجانبها كعضو دائم في مجلس الأمن،
ولكن هذا الاعتراف، والذي لعب فيه كيسنجر دورا كبيرا، كان بداية الاحتواء للعملاق الأصفر وفي المقابل انفتحت الأسواق الغربية وكافة أسواق العالم للإنتاج الصيني الغزير، وكان هذا بالتحديد أشبه بالفخ أو الأغلال التي كبلت العملاق الأصفر،
فقد دارت عجلة الإنتاج الصيني ودارت معها عشرات الآلاف من المصانع الصينية لتلبي حاجة الأسواق المفتوحة للسلع الاستهلاكية الصينية المنخفضة الأسعار نتيجة انخفاض تكلفة الإنتاج، واندفعت مؤشرات النمو إلى الأمام، وأصبح من الصعب فرملة عجلة الإنتاج أو حتى تهدئة سرعتها، وأصبحت الصين الشريك التجاري الأول لمعظم دول العالم وعلى رأسها الدول الكبرى،
بل أن غالبية الدول التي تتعامل تجاريا مع الصين إن لم يكن جميعها نجدها في وضع عجز تجارى معها، حتى أن الولايات المتحدة بلغ عجزها التجاري مع الصين أكثر من مائتي مليار دولار، ولكن هذا العجز التجاري البين ليس بالضرورة دائما أن يكون ميزة،
بل هو سلاح ذو حدين، وقد يشكل نقطة ضعف للدولة المنتجة والمصدرة وليس للدولة المستوردة، وخاصة في الحالة الصينية، فقد أصبحت الصين مرتبطة بشكل قوي وربما مصيري بهذه الأسواق التي تستورد إنتاجه، هذا في الوقت الذي لا تشكل فيه الصادرات الصينية أهمية حيوية للدول المستوردة والتي تستطيع الاستغناء عنها بسهولة،
فمعظم الصادرات الصينية من السلع الاستهلاكية والتقنيات المقلدة، ولم تشهد الأسواق العالمية سلعا صينية حيوية كالآلات الثقيلة والسلاح والسيارات والطائرات وغيرها، ولم تشهد أيضا أية سلعة احتكارية حيوية، بل كل ما تصدره الصين يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى عديدة وبفوارق في الأسعار ليست كبيرة.
لقد أصبحت التنمية الاقتصادية الكبيرة في الصين حجر عثرة دون تحقيقها للمكانة السياسية التي ربما تطمح لها أو على الأقل التي يتصورها البعض ويتوقعها لها، حيث أن هذه التنمية تحتاج إلى المزيد من الإمدادات من المصادر الطبيعية والمواد الخام ومصادر الطاقة من النفط والغاز وغيرها،
وهذه نقطة الضعف القوية التي لمستها الصين في العامين الماضيين مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وهو الأمر الذي يهدد العملاق الصيني اقتصاديا وبشكل كبير، كما أن الأسواق المفتوحة في الغرب أصبحت ورقة ضغط كبيرة على الصين في تحركها السياسي على الساحة الدولية،
بحيث أصبح أي تضييق في هذه الأسواق يشكل عبئا كبيرا على الصين دولة وشعبا، وهذا ما شاهدناه في العام الماضي عندما أغلقت الأسواق الغربية أبوابها في وجه المنسوجات الصينية. لقد أفقدت التنمية الاقتصادية الصين قوتها السياسية، وتحول إنتاجها الغزير إلى ورقة ضغط قوية عليها تهددها حتى بالانفجار داخليا إذا ما خطط الغرب لإغلاق أسواقه والأسواق الأخرى في وجهها،
ولن يتحمل الشعب الصيني أي تعطيل أو تبطئه لعجلة الإنتاج التي يعيش منها مئات الملايين من الصينيين، هذا إلى جانب أن الانفتاح الشديد على الغرب أفقد الشعب الصيني الكثير من روحه الوطنية، وطغت عليه النزعات المادية وأضواء الغرب البراقة وسحر الأولمبياد وبريق الدولار و موسيقى البوب والروك وماكدونالدز وغيرها من الأشياء التي أثرت كثيراً على تكوين الشخصية الصينية.
خلاصة القول أن القوة الاقتصادية لا تستطيع أن تدعم القوة السياسية إلا إذا كانت مستقلة غير مكبلة بقيود خارجية، ولهذا أتصور أن الآمال المعلقة على العملاق الصيني كقوة عظمى على الساحة الدولية مبالغ فيها لحد كبير وغير واقعية.
elmoghazy@hotmail.com