القيادة في شوارع بعض المدن الكبرى في الدولة تؤكد يومًا بعد يوم أننا نزعم أننا نسير نحو اتجاه، ولكن الواقع هو أننا نسير نحو اتجاه آخر، والمشكلة هي أن المسافة الفاصلة بين الاتجاهين الممثلين لزعمنا وواقعنا تبدو كبيرة جداً، ومن الصعب التفكير في طريقة سريعة لاختصارها، إذ يبدو أننا في حاجة إلى جهود تراكمية طويلة الأمد حتى نختصرها على النحو الذي نريده، أو حتى نقرّب بين الاتجاهين إلى حد مرضٍ على الأقل.

حين يأتي سائح، عربي أو أجنبي، إلى البلاد -خصوصًا للمرة الأولى- لا شك في أنه يعيش أيامه الأولى في حالة انبهار شديد بما يرى من تطور على المستويات المختلفة، يبرز منها مباشرة المستوى العمراني وتخطيط المدن، ثم تكشف المستويات الأخرى عن نفسها تباعًا، فيكتشف الوجه السياحي يومًا بعد يوم، ويتعرف إلى المستوى الاقتصادي للبلاد أيضًا، وقد تسنح له الفرصة للتعرف إلى المستويات الأخرى على حسب مدة إقامته في الدولة.

جميع هذه المستويات المشرّفة لكل إماراتي معروفة وأشهر من أن يتم ذكر تفاصيلها، لذلك سأتجاوزها، وأقف عند الجانب الآخر، الذي يقدم صورة مختلفة لدولة استطاعت قهر الصحراء، وتحويلها إلى قطعة من الجنة، ولكن هناك جانب يخالف التوجه الرسمي والشعبي للبلاد كلها،

ولا يصدر إلا عن بعض أفراد لا يهمهم الحفاظ على الصورة المشرقة لبلدهم، ولا يهمهم أن يكونوا عناصر فاعلة تسهم في زيادة هذه الصورة إشراقًا، ولا يريدون في الوقت نفسه أن يكونوا عناصر محايدة، بل يسعون بشيء يشبه القصدية

وسبق الإصرار إلى أن ينقضوا الصورة التي تشكلت في أذهان القريب والبعيد على مدى ثلاثة عقود ونيّف، بتصرفات هي للطيش والتهور أقرب، لا تحقق لهم سوى متعة آنية، مشبعة رغبتهم في رؤية الناس مكرهين على تنفيذ أوامرهم في الشوارع والتباهي بذلك فيما بينهم.

هذا ما يحدث في شوارعنا، خصوصًا في الشوارع الخارجية السريعة التي تربط بين إمارات الدولة المختلفة، حيث تنطلق السيارات كالصواريخ، تاركة زوبعة من الأسئلة في نفوس أصحاب السيارات المتخلّفة وراءها في الشارع ذاته، أسئلة مختلفة تتطاير في الذهن كما تكاد تتطاير السيارات مسرعة نحو الخانة الوسطى في الشارع لتُخْلي الخانة اليسرى لتلك الصواريخ الطائشة،

ومن تلك الأسئلة سؤالٌ أول عن سرعة تلك السيارات التي تجعلها أشبه بالصواريخ أو بالرصاصة لحظة انطلاقها، ثم عن عمر سائقيها، وسؤال آخر عن السبب الذي يجعل هؤلاء السائقين على هذا القدر من الاستعجال المميت، وسؤال غيره عن مدى تفكيره بنفسه، وبأهله، وهو يقود سيارته بهذه السرعة الجنونية التي تجعلها أشبه بالورقة في خفتها،

مما يجعلها فريسة سهلة لأبسط عارض في الطريق، يحولها من سيارة جميلة قد تكون خيالية القيمة، إلى قطع من الخَرْدة لا تساوي شيئًا، وتحول سائقها من إنسان يمشي على رجلين إلى شخص مصاب بأي نوع من أنواع العجز، وأحيانًا يتحول ـ كسيارته ـ إلى قطع، ولكن آدمية هذه المرة، لا تساوي شيئا، ولا تجد لها مكانًا فوق التراب، فتدفن تحت التراب.

أسئلة كثيرة لا بد أن تمرّ على ذهن كل شخص يسير في شوارع الدولة المختلفة، وليس فقط في الشوارع الخارجية، بل في كثير من الشوارع الداخلية، تجعل الخروج من البيت همًّا ثقيلا. كيف يمكن أن تصل الدولة إلى ما وصلت إليه على جميع المستويات المعروفة لنا جميعًا وفي الوقت نفسه توجد شريحة كبيرة من أفراد المجتمع يفتقدون إلى الذوق واللباقة في أبسط البديهيات من مثل قيادة السيارات؟

كيف يمكن للسائح العربي والأجنبي أن يعود إلى بلاده محملا بذكريات تعكس صورة جميلة عن بلادنا وهو يرى أنه كلما خرج من الفندق وركب سيارةً ليتجوّل في المدينة التي ينزل فيها للتعرف إلى معالمها ولتخصيص مساحة لجمالياتها في ذاكرته يُفاجأ بعدد لا ينتهي من السيارات التي تضايقه بالضوء العالي بإلحاح مزعج حتى يترك لها الطريق وينتحي جانبًا إلى أن تمرّ هي؟

من المعروف أن الخانة اليسرى في الطريق مخصصة للسيارات السريعة جدًا، وقد يكون من المقبول أن تأتي سيارة مسرعة جدا ويطلب سائقها من سائق السيارة التي أمامه إخلاء الخانة له ليمرّ، وأقول إنه قد يكون مقبولا لأن هذا ما يجب أن يحدث بشكل طارئ أو عارض،

لكن المشكلة أن هذه الحركة (طلب السيارة المسرعة جدا من السيارة التي أمامها إخلاء الطريق لها على وجه السرعة) أصبحت ديدن معظم سائقينا، خصوصًا الشباب، إلى درجة أنني بتّ ألاحظ أن الرجال الأكبر سنًّا، والنساء بمختلف الفئات العمرية يفضلون البقاء في الخانة الوسطى، وأحيانًا اليمنى، كي لا يجدوا أنفسهم مضطرين ما بين دقيقة وأخرى للتنحّي وإخلاء الطريق على هذا النحو المزعج الذي يكثر في شوارعنا.

ولكن المشكلة الآن هي أن السائق الذي يسير بسرعة بطيئة إلى حد ما، لسبب من الأسباب كأن يكون سائحًا ويرغب في التعرف إلى معالم المدينة، أو أن يكون من إمارة أخرى ولا يعرف الطريق جيدا في هذه الإمارة، أو غير ذلك من أسباب تضطره إلى البقاء في الخانة اليمنى والسير بتؤدة،

هذا السائق أصبح يجد نفسه أيضًا واقعًا تحت ضغط الضوء العالي، ومن الطبيعي أن يشعر بالضيق لأنه لا يستطيع أن يذهب إلى خانة أخرى يمكنه فيها أن يسير ببطء يساعده على التعرف إلى المدينة، أو الطريق، أو قراءة اللوحات الإرشادية، أو غير ذلك.

وفي كثير من الأحيان يربك هؤلاء السائقون المستعجلون من أمامهم، وذلك حين يحصرونه في مكان ضيق، ويلحّون عليه بأن يخلي لهم الطريق، وهم يرون بوضوح كافٍ أن على يمين هذا السائق شاحنة كبيرة مثلا، بحيث لا يستطيع تخفيف سرعته إلى الحد الذي يسمح له بإخلاء الطريق لهم قبل تجاوزها لأن هذا سيمثّل خطرًا عليه هو، وفي الوقت نفسه،

لا يتركون له الوقت الكافي ليتمكن من تجاوزها ثم إخلاء الطريق لهم، وكثيرًا ما نراهم في المرآة وهم يبتسمون لمجرد أنهم يربكون من أمامهم. يحدث هذا كثيرًا في الشوارع التي تتكون من خانتين فقط، كبدايات الشارع الذي يربط بين العين ودبي.

وحين يدخل السائق شارع الإمارات الذي يجدر به ـ إن أحسن السائقين التعامل معه ـ أن يكون خلاصًا لسكان الإمارات السبع من الازدحام الخانق في بقية الشوارع، يجد السائق نفسه متحفزًا طوال الطريق لأي ردة فعل تجاه أي فعل متوقع وغير متوقع. الخانة اليمنى من الشارع محجوزة سلفًا للشاحنات وما شابهها،

وحين يختار السائق الخانة الوسطى يجب أن يكون على أهبة التوقع لأي تجاوز يقوم به سائق شاحنة أرعن، لا يحسب فيه حساب نفسه ولا غيره، وهذا أمر حدث معي شخصيًا إذ وجدت نفسي - في غمضة عين- أمام شاحنة قرّر سائقها فجأة أن يتجاوز شاحنة أخرى أمامه تسير بسرعة أقل منه قليلا، فاضطررت إلى خفض السرعة من (110كم/ساعة) إلى (10كم/ساعة) خلال ثوانٍ لا أعرف كيف مرّت.

ومنذ ذلك اليوم أفضل أن أسير في الخانة اليسرى، على الرغم من كل المضايقات التي تأتي من الخلف، تطالبني بإلحاح بأن أسرع، حتى تكون سيارتي ملاصقة تمامًا للسيارة التي أمامي، كأن هذه المسافة ليست ضرورية لسلامة الجميع.

حين أفكر في كل هذا أشعر بالاستغراب من هذا التحول الكبير في أسلوب القيادة في الإمارات، إذ لم تكن القيادة عندنا على هذا القدر من السوء من قبل، وهي بلا شك تسيء إلى صورة البلاد كلها؛ فإذا كنا نحن أبناء البلاد نشعر بكل هذا الضيق والاستياء من أسلوب في القيادة آخذ في الانتشار، فما بالنا بمن يأتون من بلدان معروف عنها التزام سائقيها بآداب القيادة؟

القيادة فن وذوق، هذا أمر معروف، ولكن الذي يجب أن يكون معروفًا أكثر من هذا هو أن قيادة السيارات ليست لمجرد إشباع رغبات البعض في استعراض مهاراتهم في القيادة، أو لإقامة سباقات للسيارات في شوارع المدن الرئيسية كما هو حادث عندنا، إنما الهدف هو الوصول بسلامة إلى الأماكن المقصودة،

على أن يحرص كل سائق على سلامة الآخرين كما يحرص على سلامته الخاصة، إذا استطعنا استيعاب هذا الهدف قد نستطيع أن نحدث تحولا ما في أسلوب القيادة عندنا، وأن نسهم بذلك في زيادة الصورة إشراقًا، بدلا من التأثير سلبًا على إشراقها الفعلي.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com