أتى على عالَمنا حين من الدهر كانت قضية البيئة فيه مقصورة من حيث الاهتمام والانشغال على علماء الطقس أو الكيمياء أو الفيزياء ومن في حكمهم من أهل الاختصاص. وهكذا انتصف القرن العشرون دون أن تمثل حكاية البيئة أو الانبعاثات الكربونية وعواقب تلوث الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض أي مشكلة تذكر لا بالنسبة للساسة أو صانعي القرار ولا بالنسبة للمشتغلين بالعمل العام.

فقط في مطالع عقد السبعينات بدأ العالم ينتبه إلى ذلك الشأن المستجد على فكر الناس واهتماماتهم.. وقد بدأ يشق طريقه على استحياء منذ انعقاد أول مؤتمر معني بالقضايا الإيكولوجية وهي الشواغل البيئية، في العاصمة السويدية ستوكهولم. ولم يكن ينتهي العقد السبعيني إلا وبدأ الوطن العربي يتعاطى مع نفس القضايا ويتعامل معها من موقف أكثر جدية وأعمق من الناحية العلمية.

وكان الفضل في ذلك لكاتب عربي كبير من مصر هو الأستاذ أحمد بهاء الدين - عليه رحمة الله - وقد نشر أيامها سلسلة من المقالات الكاشفة بأسلوبه الموجز المعروف لكي يجذب الاهتمام العام إلى قضايا نقص الموارد وخطورة العوادم وما إلى ذلك وثم تجلت في هذا السياق جهود محلية وإقليمية بذلها علماء كبار من طراز الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص فضلا عن جهود شهدها عقد الثمانينات على الصعيد الدولي

وتوجت بإنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (اليونيب) الذي اسكنوه مقر الأمم المتحدة في نيروبي عاصمة كينيا بأفريقيا واختاروا لرئاسته عالما عربيا مرموقا هو الدكتور مصطفى كمال طلبة الذي ما زال رائدا في مضمار الشأن البيئي على المستوى الدولي بشكل عام.

في هذا الإطار كتبنا - كما كتب الكثيرون - عن هذا الشأن المستجد على أجندة اهتمامات البشرية مع هذه السنوات الأولى من القرن الجديد. وقد نعترف أن مثل هذه الكتابات التي تلفت، أو تحاول أن تلفت، الأنظار والاهتمام، إلى حكاية العوادم وأكاسيد الكربون

وأساليب إعادة التدوير وإمكانات التخلص من النفايات المتخلفة عن الأنشطة البشرية في مجالات الصناعة والزراعة والإدارة الحضرية وما في حكمها - إنما تشكل مواضيع لا تتمتع بنفس الجاذبية التي تتسم بها الكتابة عن الصراع السياسي أو الاختلاف المذهبي دع عنك الطرائف وربما الفضائح التي ترددها ميديا الإعلام عن مشاهير الشخصيات في هذا المجتمع أو ذاك.

مع هذا كله فلم يعد ثمة مناص من أن ندعو كل قطاعات مجتمعنا العربي إلى التعامل مع القضايا البيئية من منظور جاد وجديد بكل معنى، وذلك لأن الأخطار التي باتت تحدق بالبشر فوق سطح كوكبنا لم تعد مجرد وساوس أو هواجس تشغل بال العلماء أو المتخصصين..

ولا عادت مجرد تحذيرات من مغبة ما قد يحدث هناك سواء من حيث المكان أو الزمان.. بل الحاصل أن «هناك» المكانيّة هذه يمكن أن تكون «هنا» بمعنى أن يكون الخطر قد عبر الحدود وأصبح قريبا من حدودنا في إقليم العالم العربي بين مشرقه ومغربه،

وأيضا بمعنى أن «هناك» الزمانية يمكن أن تكون «هنا» أي في غضون عقد أو عقدين من الزمن وليس بعد سنوات قرن قد تقل أو قد تزيد.. تأمل مثلا ما أسفر عنه تقرير مجموعة العلماء الاختصاصيين الذي اجتمع في العاصمة البلجيكية بروكسل مع الأيام الأولى من شهر إبريل الحالي.. هي مجموعة تضم نخبة من الخبراء الثقات في قضايا البيئة من جوانبها كافة،

وتحمل رسميا اسم «فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ والتابع للأمم المتحدة». وقد أذاع تقريره حاملا تحذيرات ينبغي أن تؤخذ في تصورنا على مستوى من الجدية العميقة والفاعلة، بمعنى المُفضية إلى اتخاذ إجراءات تحمي البشرية - أهلنا وشعوبنا وأجيالنا المستقبلية بالذات من مغبة ما قد تفضي إليه هذه المتغيرات.

وقد أحسنت جريدة نيويورك تايمز حين نشرت محتويات التقرير على صدر صفحتها الأولى (عدد السبت 7 إبريل) وأوجزت أهم تلك المحتويات أو فلنقل التقديرات في عبارات تقول: في أوضح تصوير مفصّل للآثار المترتبة على المناخ العالمي (الكوكبي) نتيجة الأنشطة البشرية، شملت تنبؤات فريق الخبراء التحذير من: اتساع (تفاقم) ظاهرة الجفاف في جنوب أوروبا،

وفي الشرق الأوسط، وفي منطقة أفريقيا جنوبي الصحراء، وفي جنوب غربي أميركا وفي المكسيك. وشملت التحذيرات أيضا احتمال أن تؤدي الفيضانات إلى غمر وإغراق الجزر البحرية الواطئة ودلتاوات أنهار جنوبي القارة الآسيوية..

ويزيد الأمر سوءاً حقيقة أن كثيرا من هذه المناطق المعرضة لتلك الأخطار والأضرار تعد في الوقت من أفقر مناطق العالم، الأمر الذي يعرّض للخطر الأمن الغذائي لشعوب شتى (من العالم الثالث بالذات) بل إلى شبح المجاعة الحقيقية الذي يمكن أن يواجه عشرات الملايين من البشر وخاصة مع احتمال انخفاض المحاصيل في بعض الأقطار الأفريقية بنسبة تصل إلى النصف (!) بحلول عام 2020..

فضلا عما قد يواجه العالم من نقص في موارد المياه العذبة، سواء نتيجة ارتفاع درجة الحرارة الكوكبية بمعدل درجتين في المتوسط مما يعطل سلامة دورة المياه والأمطار، أو بسبب ظاهرة الملوحة في منطقة دلتا نهر النيل مثلا مما يؤدي إلى فقدان نسبة 15 في المائة من الأراضي الزراعية التي ستغمرها مياه البحر. من جانبنا قد نضيف إلى تنبؤات الفريق الدولي

ذلك الاتجاه الذي نرصده حاليا من واقع الأدبيات السياسية والاقتصادية في أميركا حيث تزداد الدعوة إلى التوسع في استخراج البترول من نباتات الذرة وقصب السكر الأمر الذي يهدد في حال توسعه أو استشرائه إلى انكماش مساحات من المزروعات بملايين الهكتارات التي تشكل موردا نفيسا بل وحيويا من موارد غذاء الملايين من البشر وتحت شعار بدأت ميديا العلاقات العامة في الترويج له وتلخصه في عبارة «التعافي من إدمان النفط».

وعلينا أن نؤكد أن تقرير الفريق الدولي لا بد وأن يكون محل دراسة عميقة وتحليلية ونافذة ومتأنية من جانب صانعي القرار وراسمي السياسات ومعهم أهل الفكر والرأي في الوطن العربي.. فلم يعد الموضوع مجرد «موضة» تلوح ثم تزول، ولا عاد مجرد ترف معرفي أو انشغال أكاديمي.

إن التقرير المذكور يصدر عن جهود تعاملت مع بيئة كوكبنا بكل صرامة وجديه: شارك فيه نحو 200 عالم ومتخصص، واستغرق إعداده رصدا للظواهر وتحليلا لمجرياتها وعواقبها ثم تسجيلا للنتائج على مدى ما يقرب من 20 عاما من البحث الميداني والمختبري والنظري على السواء وبعد هذا كله يصدر التقرير الضخم في مجلد من 1572 صفحة

وإن احتوى تلخيصا بارع التكثيف يقع في 21 صفحة فقط ولهذا فقد حظي بإجماع المشاركين في مؤتمر بروكسل الذي ألمحنا إليه وهم يمثلون 150 بلدا بما في ذلك الولايات المتحدة التي كان في حضورها ومواقفها إقرار بما بلغته الأمور من خطورة من ناحية،

وربما كان اعترافا من ناحية أخرى بمسؤوليتها الجسيمة عن مشكلة التلوث الكوكبي فضلا عن تجاهلها الذي كان متواصلا للتصديق على ما سبق التوصل إليه من صكوك دولية في هذا المضمار ومنها مثلا اتفاقية كيوتو واتفاقية مونتريال.

وبمناسبة الولايات المتحدة .. نلاحظ أن كبرى الدوريات الأميركية وأكثرها رصانة ومصداقية باتت تحرص باستمرار على توعية قارئيها إزاء مشاكل المناخ وخاصة ما يتعلق منها بظاهرة التساخن العالمي. ها هي شهرية «أتلانتك منثلي» تحذر من مغبة ظاهرة الاحترار المذكورة التي يمكن أن تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي وتصيبه بأضرار لا يمكن مقارنتها إلا بما نجم من كوارث بسبب الحرب العالمية الثانية.

والأمر عند المطبوعة الأميركية لا يقتصر على نقص الأموال أو الموارد بل هو يتعدى إلى زيادة الأمراض وتفاقم حالة الفقر المدقع مما قد يدفع إلى اندلاع الصراعات واشتعال الحروب في نفس السياقات لا تتورع مجلة «تايم الأسبوعية» عن تخصيص ملف كامل من 40 صفحة (عدد 9 إبريل) تنشر فيه ما وصفته بأنه «دليلك إلى البقاء على قيد الحياة في ظل الاحترار العالمي»

وقد أودعت هذا الدليل التوجيهي 51 وصفة أو نصيحة لعل أهمها تلك الدعوة التي ما زلنا نتابعها من جانبنا في ثنايا الإعلام والسياسة بالولايات المتحدة وتركز على التمدح في مناقب الطاقة النووية التي يصفونها بأنها «زيرو - عوادم» أو «صفر - كربون» والمقارنة هنا مع عوادم طاقة النفط أو الفحم.

وإذا كانت دعوة مجلتي التايم أو أتلانتك منثلي قد ركزت على الطاقة «الخضراء» أو الطاقة النووية فقد تجاوبت معهما مجلة أخرى إلكترونية هذه المرة وهي برنامج «60 دقيقة» أشهر مجلات الشأن العام الأسبوعية على الشاشة الصغيرة

وتذيعها القناة الثانية على التلفزيون القومي الأميركي وقد احتوى عددها الصادر مساء الأحد الثامن من أبريل على تحقيق مسهب وشامل يصور فرنسا نموذجا براقا بل وهاجا ويدعو إلى المحاكاة لماذا؟ لأن فرنسا ما برحت تستخدم القدرة النووية لتلبية نسبة 80 في المائة من احتياجات البلاد من الطاقة.

كاتب مصري