الأزمة اللبنانية تراوح مكانها، والحلول التي تبحث الآن لا تتناول عمق الأزمة، بل ترمي إلى تهدئة الأوضاع. ولم يحقق الحوار السياسي الداخلي المغطى عربياً ودولياً القفزة النوعية من دوامة الجدل حول المحكمة الدولية أولاً أم حكومة الوحدة الوطنية الموسعة... حول الثلث الضامن أو المعطل للمعارضة في الحكومة.
أو الملاحظات المطروحة على نظام المحكمة الدولية، لكن يبدو أن اعتبارات غير لبنانية، وحسابات دولية ـ إقليمية حتمت إبقاء الحلبة اللبنانية، مشرّعة وتحت الطلب. فالمعلومات المتسللة من خلف جدران الصمت، تؤكد أن المسافة ما زالت شاسعة بين المشكلات المثارة، وبين صيغ الحلول المطروحة لها، وهذه (المسافة) ليست لبنانية، وان ألبست برقعاً لبنانياً، إنما هي في الواقع انعكاس داخلي للأزمة الإقليمية.
وسط انسداد كامل لقنوات الحوار وانقطاع كل موجات الاتصال بين الفريقين المتنازعين على السلطة، وفي ظل سقوط كل المبادرات الداخلية والعربية، وصلت الأزمة السياسية القائمة منذ بضعة أشهر إلى نوع من المعضلة المستعصية على كل التسويات التي يستحيل على اللبنانيين تفكيك رموزها.
ومن الواضح أن الأزمة باتت تدور في حلقة مفرغة من دون أن تجد لنفسها منفذا يخرجها من المأزق المزدوج: رفض فريق الموالاة التسليم بحكومة فيها الثلث المعطل لفريق الثامن من مارس، ورفض المعارضة أي حل لا تكون فيه شريكة عبر هذا الثلث. لذلك فإن الفريقين وصلا إلى الحائط المسدود السميك الذي توقفت معه كل الوساطات العربية ولا سيما السعودية منها والتي اشترطت على اللبنانيين التوافق المسبق في بيروت قبل رعايتها أي طاولة مستديرة في الرياض.
وزاد الوضع سوءا دخول الأزمة على خط التدويل بعد، الاتصال الذي أجراه الرئيس السنيورة بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مستفسرا عن آفاق مشروع البيان الرئاسي المزمع صدوره عن مجلس الأمن بشأن القرار 1701 فضلا عن استيضاحات أخرى تخص المحكمة الدولية ، بحيث تحول مجلس الأمن في الآونة الأخيرة إلى «مرجعية وطنية» وهذا يدل على الإصرار على التدويل الطوعي أو رمي كل القضايا والمشكلات اللبنانية الداخلية في سلة مجلس الأمن. وهذا اخطر ما يمكن أن تصل إليه دولة ذات سيادة واستقلال.
ورغم رفض الأمم المتحدة التدخل في الملف اللبناني وتفضيلها الحلول الداخلية إلا أن دخول لبنان فعليا أنفاق مجلس الأمن ودهاليز التدويل، قد يضيع في المفترقات المتعددة الخطرة التي لا يمكن الخروج منها إلا من خلال الأضواء الكاشفة التي قد ترشد اللبنانيين إلى الطريق الصحيح وإلى المنافذ التي قد تؤدي مرة أخرى إلى توافق على تأسيس وطن جديد لا يشبه دولة الطائف.
بل يكون بلدا مؤسسا على أساس صيغة مبتكرة من تعقيدات الأزمة وخلفياتها. لذلك لابد في هذه الحال من الاستعداد للخروج من سراديب التدويل الذي قد يلغي إرادة فريقي الصراع في إعادة بناء دولة تقوم على أعمدة متينة قادرة على تحمل أي اهتزازات سياسية وأمنية مرتقبة ولا تنهار بعد أول هبة ريح إقليمية ودولية.
لقد تشجعت الرياض وطهران في العمل على وأد الفتنة، وهما في موقع يؤثر في الدول التي تشهد صراعاً مذهبياً أو سياسياً، وتعاونت الدولتان وبما لهما من علاقات وتأثير على التيارين السياسيين الكبيرين في السنة والشيعة، (تيار المستقبل) و(حزب الله) أن يخففا من حدة التشنج المذهبي. لكنهما فشلتا أمام إصرار طرفي الصراع في لبنان على أسلوب «المغالبة» دون البحث عن حل توافقي.
الحلول الوسط استنفدت، وصيغة لا غالب ولا مغلوب غير مقبولة عند أي من الفريقين، الموالاة والمعارضة، طالما يصر كل منهما على ما يفهم من هذه الصيغة، والاحتكام إلى الشعب مرفوض أيضا، والمأزق مستمر... فإلى أين تسير الأمور إذن؟ في ضوء المعطيات المتوفرة هل يوجد غير طريقين: المراوحة في المكان وانتظار المتغيرات الدولية والإقليمية، أو الذهاب إلى الحرب الأهلية؟.
والأيام المقبلة ستكشف مدى تمكن اللبنانيين من التفاهم على الحل، فإذا لم يتقدموا باتجاهه، فان الوضع سيتجه إلى مزيد من التعقيد، فالسباق في لبنان هو بين حل الأزمة وانفجارها، فهل ستنجح السعودية في الوصول إلى تسوية بين اللبنانيين، لاسيما أن مصادرها الدبلوماسية تبدي بعض التفاؤل الذي ما زال الرئيس بري يبشر به اللبنانيين مستنداً إلى الاتفاق السعودي الإيراني. لكن المراوحة في المكان في ظل المأزق تعني الانفجار طال الوقت أو قصر، وعلى اللبنانيين ألا يطمئنوا أو يركنوا لهذه المراوحة فقد تكون أخطر من الهدوء الذي يسبق العاصفة.
benhadnal@yahoo.fr