في حوار أجرته صحيفة المصري اليوم القاهرية مع أحمد زويل العالم الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء اعتبر الرجل الإعلام ركناً أساسياً من أركان الإصلاح في مصر قائلاً إنه قوة خارقة وأن الإعلام القوي يفرز دولة قوية. كما أكد أن الهدف الأساسي للمؤسسات الصحافية والإعلامية يجب أن يصبح خدمة البلد، وأن ترعى العلاقة بين السلطة والشعب، فإذا ظلم أحدهما الآخر كان الإعلام هو الفيصل.

ان تستفز المعالجات الإعلامية المصرية شخص زويل المعروف بعزوفه عن الشأن العام، فهذا معناه أنها وصلت دركاً لا يمكن التواطؤ عليه أو التماس المعاذير بشأنه، خاصة من جانب إعلام الدولة الذي يقود القاطرة ويتذبذب بها صعوداً وهبوطاً، رصانة وإثارة للسخرية حيناً أو الشفقة حيناً آخر.

وليس الإعلام في مصر قطاعاً هامشياً بل صناعة خدمية يعمل فيها آلاف المهنيين وتقدر ميزانياتها بالمليارات، كما يؤثر تأثيراً عميقاً في حياة المصريين، فلا حديث في المقاهي أو في وسائل المواصلات العامة أو الأندية إلا عن الخبر الذي نشرته صحيفة كذا أو المقال الذي كتبه فلان أو المقابلة التلفزيونية التي جرت مع أحد المشاهير، ولأن الصحافة لها تأثيرها فهناك ميزات للإعلامي تمنحها له القوانين أو النقابة المنتمي إليها.

كما أن كثيراً من العاملين بالمهنة مشاهير، وتمنحهم شهرتهم حصانة في مواجهة سطوة الدولة. ورغم هامش الحرية المتاح والذي يمكن الإعلامي المصري أن يقول ما يحسده عليه زميله العربي في كل العواصم إلا أن الآلة الإعلامية المصرية بأكملها تسرب إليها الضعف في السنوات الأخيرة، فلم تعد ذا تأثير عربي يذكر..

كما أن الحرفية الإعلامية أخذت تنزوي شيئاً فشيئاً.. فالصحف القومية التي كانت حتى وقت قريب تتحلى بنوع من الرصانة وتحاول أن تلاحق التطورات بشيء من الموضوعية حتى لا تفقد مبرر وجودها أصابتها التغييرات الأخيرة في الصميم، فأصبحت كالشيخ المتصابي، إذ عهد بها إلى أشخاص قليلي خبرة بالعمل الإداري وذوي مستوى حرفي لا يؤهلهم لقيادة مؤسسات بحجم وتاريخ الأهرام أو الأخبار أو روز اليوسف كأمثلة وليس حصراً، وبالتالي أصبح ما كانت الصحف الصغيرة تتحرج من نشره يمكن أن يجد مكاناً في صحف كبيرة.

فقلة خبرة وثقافة المسؤولين الجدد عن صحف مصر القومية، وتلهفهم للحفاظ على أماكنهم بأي ثمن جعل لغة الحوار تهبط إلى مستوى غير مسبوق، فإرضاء المسؤولين الحكوميين أو مانحي الإعلانات أصبح يتقدم على المهنية وعلى ما يمكن أن يصدقه الناس في الشارع أو يكذبونه.

الصحف المستقلة و الحزبية تحولت هي الأخرى إلى دكاكين صغيرة بحسابات أصغر، فالصحافة كرسالة أصبحت مفهوماً بالياً، والوطنية أصبحت عبارة مطاطة كل يفسرها بطريقته وعلى هواه ووفق مصالحه، وظل هناك قابضون على الجمر لا مصالح لهم ولا هوى شخصياً يحكمهم لكن تواروا في الظل وتركوا أصحاب الصوت العالي والشعارات الجوفاء يتصدرون المشهد، ولم تعد هناك صحيفة يمكن أن تمثل حكماً بين السلطة والشعب.. يمكن أن تنصف السلطة إذا تم إنكار جهودها أو تنصف الشعب حين تتغول عليه السلطة.

وربما ظهر ذلك جلياً بعد الحوار الأخير الذي أدلى به صحافي مصر الأشهر محمد حسنين هيكل ونشره روبرت فيسك بصحيفة الإندبندنت البريطانية الثلاثاء الماضي، فالهجوم الذي تلاه على هيكل يكشف المستوى الضحل لرؤساء التحرير الذين تطوعوا أو أوعزت لهم السلطة (لا فرق) بمهاجمة أحد النجوم الزاهرة في تاريخها الصحافي.

وربما يكون هيكل قد قال ما يستوجب الرد أو حتى الهجوم والتجريح الشخصي، ولكن الأهم في الموضوع من الذي يرد على هيكل وبأي طريقة.

ويبدو أن شيخوخة الدولة لم تسلم منها أجهزة الإعلام، فأصبحت تتعامل «بخرف» مع ما يجري.

magdishendi@hotmail.com