عقب صدور القانون الجديد الذي ينظم الاستثمار في قطاع الطاقة، ويوزع عائدات النفط بين الأقاليم والطوائف العراقية، حيث سيتم تقسيم عائدات النفط على 18 إقليما وفق هذا القانون ـ وهو ما قد يخفف من حدة التوتر بين المجموعات الطائفية والأكراد، الذين يسيطرون عمليا على الجزء الأكبر من ثروة العراق النفطية. واعتبرت موسكو أن هذا القانون يغلق الباب أمام شركات النفط الروسية للعمل في العراق، باعتبار أنه يتضمن التخلي عن طرح المناقصات المفتوحة ويتيح للشركات الأميركية إبرام العقود مع أجهزة إدارة الأقاليم العراقية من خلال صلات مباشرة.

وكشفت الفترة الأخيرة عن ان الشركات التي يمكن ان تحصل على حقوق استخراج واستثمار النفط العراقي يمكن الا تكون شركات أميركية أيضا، بالرغم من ان أغلبية المحللين يعتقدون أن الإدارة الأميركية قد بدأت الحرب ضد العراق للسيطرة على النفط .حيث نشرت وسائل الاعلام المحلية أن عقود استثمار حقول النفط العراقية يمكن ان تحصل عليها شركات صينية وهندية وفيتنامية.

ولهذه التوقعات أسباب قوية، أهمها أن هذه الشركات عملت في السابق في مجال الطاقة بالعراق، مما يعني ان تفاصيل وطبيعة العمل في العراق ليست مجهولة بالنسبة للمنافسين الآسيويين، بل ان العديد من مديري هذه الشركات يعملون كمستشارين للمسؤولين العراقيين وبعض المسؤولين في الدول الأعضاء بمنظمة الأوبك. العديد من المحللين يرى أن دخول الشركات الآسيوية إلى سوق الطاقة العراقي يعود إلى أن بلدانه لم تشارك في العمليات العسكرية ضد العراق.

ويعتقد المحللون ان الشركات الصينية يمكن أن تحصل على عقود استثمار حقول وسط وجنوب العراق، بينما ستحصل الشركات الهندية على حق استثمار الحقول القريبة من الحدود الكويتية. من المعروف أن الظروف التي يمر بها العراق، والحرب التي شنتها واشنطن قد تسببت في انخفاض حجم انتاج العراق من النفط إلى أقل من 2 مليون برميل /يوميا. وتحسين الأوضاع سيؤدي بالتأكيد لزيادة انتاج النفط العراقي، ولا يستبعد فريق من الخبراء أن يصل حجم هذا الإنتاج إلى 6 ملايين برميل ـ يوميا.

هذه الخطط الطموحة تطرح تساؤلات على الحكومة العراقية، باعتبار أن الاحتكارات الغربية والروسية تتوفر لديها احدث التقنيات والآليات لاستخراج النفط، وهى القادرة على زيادة حجم انتاجه في العراق، وهو ما قد لا يتوفر لدى الشركات الآسيوية، التي مازال يستخدم اغلبها تقنيات غير حديثة، ولن تمكنه من زيادة استخراج النفط بالوتائر المطلوبة.

وكان وزير النفط العراقي قد أعلن أن الحكومة تنظم مجموعة مناقصات حول مشاريع استخراج واستثمار النفط الكبرى، وسيتم الإعلان عنها في النصف الثاني من العام الحالي، كما كشف الكسندر سلطانوف نائب وزير الخارجية الروسي ان محاولات جادة من قبل الحكومة الروسية تبذل حتى تستعيد شركة (لوك اويل) حقوقها في استثمار حقل «قرنة الغربية ـ 2»، واضاف أنه تم توقيع اتفاق بين الشركة ووزارة الخارجية على التحرك لحماية المصالح الروسية في عدد من الأسواق الخارجية.

وازمة مشروع قرنة الغربية التي تفجرت منذ مرحلة صدام، بسبب إيقاف شركة (لوك اويل) عن تنفيذ بنود عقدها باستخراج النفط نتيجة لقرارات مجلس الأمن آنذاك، تفجرت هذه الأزمة عندما اعلن صدام حسين إلغاء عقود الشركة الروسية (لوك اويل) الخاصة باستثمار هذه الحقول. وتدخلت الخارجية الروسية آنذاك، ودعمت موقف الشركة التي رفضت مخالفة قرارات الأمم المتحدة،

وهدأت الأزمة قليلا، ثم عادت للظهور في اوائل عام 2003، لتنهي الحرب مرحلة فيها، وتبدأ مرحلة جديدة تتمثل في رفض السلطات الاعتراف بالعقود التي وقعتها الحكومة السابقة، ومع بداية المرحلة الجديدة في عام 2005 عقدت (لوك أويل) اتفاقا مع شركة (كونوكو فيليبس) حصلت بموجبه الشركة الأميركية على 20% من أسهم الشركة التي ستقوم باستثمار الحقل، والتي تتألف من (لوك اويل) ولها 5,68% من رأس المال، وشركة (زاروبيج نفط) 5,6%، ووزارة النفط العراقية ولها 25% ، وذلك بهدف حماية هذا العقد، باستفادة من نفوذ وعلاقات الشركة الأميركية.

من المتوقع ان تصل تكاليف استخراج النفط من حقل «قرنة الغربية ـ 2» حوالي 7,3 مليارات دولار، ويقدر احتياطي النفط في هذه الحقول أكثر من 10 مليارات برميل. وبالرغم من أن موسكو قد أسقطت بالفعل حوالي 8 مليارات دولار من الديون العراقية المستحقة السداد، على أمل أن تقدر بغداد الدعم الروسي، إلا انها لم تتمكن حتى الآن من تحقيق خطوات ملموسة في حماية مصالح الشركات الروسية العاملة في العراق. وهو ما دفع العديد من الخبراء للتساؤل حول ما أشار اليه تصريح سلطانوف، وحول توفر امكانية فعلية لدى موسكو لإقناع الجانب العراقي بعدم المساس بعقود شركة(لوك اويل) باستثمار واستخراج النفط في حقل «قرنة الغربية ـ 2».

من المعروف أن قطاع النفط العراقي كان من أهم مواقع التنافس والاستثمار خلال أواخر القرن الماضي، حيث حصلت الشركات الروسية خلال الفترة من عام 1996 ـ 2003 على أكثر من 20 مليار دولار من إجمالي حجم صادرات النفط العراقي خلال الفترة المذكورة، والبالغ 64 مليار دولار، وقد احتلت شركة «زاروبيج نفط» المرتبة الأولى بين الشركات الروسية المستوردة للنفط العراقي، حيث حصلت على 3 مليارات دولار، كما استفادت حوالي 248 شركة روسية من النفط العراقي، من خلال برنامج الأمم المتحدة(نفط مقابل غذاء).

ولا يعني هذا أن الشركات الروسية كانت تستثمر النفط العراقي بدون شركاء، حيث كشفت البيانات الرسمية عن ان شركات أميركية، هي «تكساكو سيفرون وموبيل وفونيكس الدولية»، كانت تحصل أيضا على النفط العراقي عبر برنامج الأمم المتحدة، إلا أن حصتها لم تزد عن 2 ,1 مليار دولار، واحتلت الشركات الأميركية المرتبة 26 بين البلدان ال36 التي كانت تستورد النفط العراقي.

ويبدو أن الاستثمارات الروسية لن تعود قريبا إلى السوق العراقي، ليس لأنها غير مرغوب فيها، على العكس، ولكن لان الأطراف الأخرى ترفض أن تمكنها من العمل في هذا السوق، بالرغم من العديد من المؤشرات تؤكد الشركات الروسية أنها هي الأقدر على تحقيق استثمارات عالية المردود سيستفيد منها العراق في مرحلة إعادة اعماره.

خبيرة في الطاقة ـ روسيا